أقلام

لون الظلام: حين تتحول العتمة إلى سؤال إنساني

هاني الحجي

يطرح عنوان مجموعة “لون الظلام” للقاص عبدالله التعزي الصادرة عن نادي الشرقية الأدبي، يطرح منذ البداية تساؤلًا ذا دلالة فلسفية: هل للظلام لون؟

أم أن الكاتب يمنح العتمة صفة اللون ليحوّلها من حالة حسية إلى تجربة إنسانية؟ فالظلام هنا ليس غيابًا للضوء، بل رمزًا لمناطق الألم والفقد والقلق والإحباط التي يعيشها الإنسان في صراعه مع ذاته ومع العالم المحيط به.

ويأتي “اللون” بوصفه محاولة إنسانية لتبديد الظلام؛ فالإنسان لا يستسلم للعتمة، بل يبحث عن ألوان أخرى قادرة على إعادة تشكيل حياته: لون الأمل، والصبر، والإرادة، والرغبة في تجاوز الانكسارات. وتغوص المجموعة فيما يثقل الروح ومن جانب آخرما يمنحها القدرة على التحمل.

يعزز غلاف المجموعة هذه الإجابة عن التساؤل الفلسفي حول العنوان؛ إذ يظهر ما يشبه الباب المقوّس محاطًا بالسواد، ولكن النور ينبثق من داخله، في دلالة إلى أن الخلاص لا يأتي دائمًا من الخارج، بل يولد من أعماق الإنسان نفسه. فالباب رمزٌ للعبور من حالة الانغلاق الذاتي إلى الانفتاح الواعي، ومن الظلمة إلى النور الداخلي.

تتكرر هذه الرؤية داخل قصص المجموعة، حيث نجد شخصيات تعيش حالات من العزلة الذاتية، أو صراعات داخلية، أو قلقًا إنسانيًا مع المجتمع، ولكنها لا تبقى في الظلام؛ إذ تحاول البحث عن بؤرة نور من تحت ركام الإحباطات عبر إعادة اكتشاف ذاتها وفهم علاقتها بالآخرين.

مثل قصة (حواف المرآة):

“ابتعد عن المرآة واستجمع كل ما يتذكر من قوة ليقذف بالزجاجة في منتصف المرآة.”

فالكاتب يقدم في مجموعته شخصيات إنسانية واقعية تحمل هشاشتها وأسئلتها. وتتحول الأشياء اليومية، مثل المرآة، إلى مساحة رمزية للتأمل؛ فالمرآة لا تعكس الوجه فقط، بل تكشف محاولة الإنسان فهم نفسه ومواجهة صورته الداخلية.

وعلى مستوى البناء الفني، تعتمد المجموعة على التكثيف السردي؛ إذ لا يراهن الكاتب على التفاصيل الطويلة أو الامتداد الزمني والمكاني، بل يركز على لحظة قصصية مكثفة، أو فكرة مركزية، أو حدث قادر على كشف التحولات النفسية للشخصيات. لذلك تصبح القصة مساحة صغيرة تحمل أسئلة كبيرة عن الإنسان ومخاوفه ورغبته في تجاوز عتمته.

مثل قصة (ابتعاد ثابت):

“يبدو أن جميع الميتين لهم نفس التصرفات الغريبة التي نسمع عنها.”أخيرًا، أرى أن “لون الظلام” مجموعة تبحث قصصها عن الضوء الكامن داخل الإنسان؛ فالظلام في المجموعة ليس القدر، بل نقطة اختبار تكشف قدرة الإنسان على اختراق العتمة ببشائر : الدمامفانوس الأمل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى