
حسين الحاجي
غالباً ما نربط النمو بالمزيد : مزيداً من العلم ومزيداً من الخبرة ومزيداً من المال ومزيداً من الفرص ، حتى بات كثير منا يقيس تقدمه بما يضيفه إلى حياته ، غير أن الحياة تؤكد كل يوم حقيقة مختلفة ، فليست كل خطوة إلى الأمام تبدأ بإضافة بل يبدأ بعضها عندما تدرك أن الأساليب التي نجحت بالأمس قد لا تنجح غداً .
فكم من إنسان امتلك القدرة لكنه بقي في مكانه لأنه تمسك بعادة لم تعد تناسب مستقبله ، أو بفكرة تجاوزها الزمن أو بخوف أقنعه أن البقاء أكثر أماناً من المحاولة ، المشكلة لم تكن يوماً في نقص الإمكانات بل في التمسك بما انتهى دوره .
وتكشف الحياة اليومية هذه الحقيقة بوضوح ، فهناك موظف يرفض تعلم أسلوب جديد في العمل فيسبقه من بدأ بعده بسنوات ، وأب يحب أبناءه بصدق لكنه يعاملهم بأدوات تربوية صالحة لزمن مضى لا لعصر يعيشونه ، وشاب يحلم بالاستقرار المالي بينما يكرر كل شهر اسلوب الانفاق نفسه الذي أوقعه في الضيق الشهر الماضي . إنهم لا يفتقرون إلى الطموح لكنهم يحملون معهم ما يعطل انطلاقهم .
ولهذا فإن التقدم الحقيقي لا يقاس بما تضيفه إلى حياتك فقط بل بما تمتلك شجاعة التخلي عنه ، فالتخلي عن التسويف بداية الإنجاز والتخلي عن الغرور بداية التعلم والتخلي عن العناد بداية الحكمة والتخلي عن الحقد بداية السلام والتخلي عن العادات الخاطئة بداية حياة أكثر اتزاناً .
ولأن قوانين الحياة واحدة فقد أودع الله هذا المعنى في بعض مخلوقاته أيضاً ، ومن الأمثلة على ذلك الثعبان ، فهو لا يستطيع أن يواصل نموه الجسدي إلا بعد أن ينسلخ من جلده القديم ، وليس المقصود هنا الثعبان بل الحقيقة التي تكشفها هذه الظاهرة ، فالانسلاخ ليس تبديلاً للهوية ولا تغيراً في المظهر بل رسالة صامتة تقول : إن النمو لا يجتمع مع التمسك بما لم يعد يصلح للمستقبل ، وهكذا الإنسان فليس المطلوب أن يُغير مبادئه بل أن يراجع عاداته ويطور أساليبه ويتحرر من كل ما يعطل نموه ، فالقيم الراسخة لا تُستبدل لكن العادات الخاطئة قد تحجب أثرها .
ختاماً ، ليست الحكمة أن تضيف إلى حياتك شيئاً جديداً كل يوم بل أن تعرف أيضاً ما الذي ينبغي أن تغادره ، فالمستقبل لا يضيق بقلة الإمكانات وإنما يضيق بكثرة ما نحمله إليه من الماضي ، وكلما امتلك الإنسان شجاعة التخلي عما انتهى دوره اتسعت أمامه مساحة النمو ، فهناك يبدأ التحول الحقيقي لا عندما يضيف الإنسان شيئاً إلى حياته بل عندما يتحرر مما كان يعطل نموه .





