
أمير بوخمسين
منذ أن شُرع الحج في صورته الجامعة، ظل على الدوام أكثر من كونه عبادة موسمية؛ كان وما يزال مؤتمرًا إنسانيًّا مفتوحًا، تتلاقى فيه الأرواح قبل الأجساد، وتذوب فيه الفوارق قبل أن ترفع فيه الأكف بالدعاء.
الحج هو الشعيرة التي لا تختبر فقط قدرة الجسد على الاحتمال، بل تختبر أيضًا سعة القلب على احتواء الآخر، والانصهار في جماعة تؤمن بإله واحد، وتستقبل قبلة واحدة، وتردد نداءً واحدا لبيك اللهم لبيك. (وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ (27) لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ) الحج (28).
في الحج، تُعرف الناس بوقوفها في عرفات، وسعيها بين الصفا والمروة، وطوافها حول البيت العتيق. هناك، تسقط كل الألقاب، وتتراجع كل الفوارق، ويصبح الإنسان إنسانًا فقط. وهذا المعنى وحده كفيل بأن يجعل الحج من أعظم أدوات بناء الوحدة في التاريخ الإسلامي، في زمن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان الحج يحمل بعدًا إضافيًّا بالغ الأهمية؛ فقد كان وسيلة لنقل الدعوة، وتبادل الخبرات، وبناء التحالفات، وتثبيت أركان الدولة.
وكان منصة حقيقية للتواصل بين المسلمين القادمين من أطراف الجزيرة وخارجها. في موسم الحج، التقى الناس بالدعوة أول مرة، وسمعوا القرآن من فم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعادوا به إلى قبائلهم وأوطانهم.
هكذا، كان الحج أحد جسور الانتشار الأولى للإسلام، وكان منابر مفتوحة للوعي والتغيير. وكان الحاج يعود إلى بلده يحمل علمًا، وفقهًا، وأخبار الأمة.
ولا يزال الحج يحتفظ بجوهره العظيم، بل ربما ازدادت أهميته في زمن التشتت هذا. في عالم تمزقه الهويات الضيقة، وتفرقه الصراعات، يأتي الحج ليقول للمسلمين قاطبة أنتم أمة واحدة، مهما اختلفت ألسنتكم وألوانكم.
في مشهد واحد، ترى الإفريقي إلى جوار الآسيوي، والعربي إلى جانب الأوروبي، الكل بلباس واحد، وهدف واحد، ودعاء واحد.
فأية رسالة أبلغ من هذه؟
كم من إنسان عاد من الحج وقد تبدلت نظرته للحياة، واتسع صدره للناس، وزادت مسؤوليته تجاه مجتمعه؟
وكم من داعية أو عالم أو مفكر، كانت له في الحج لقاءات غيرت مساره، أو ألهمته فكرة، أو فتحت له بابا في خدمة الدين؟
بل إن كثيراً من المبادرات الخيرية والعلمية والدعوية في العالم الإسلامي، بدأت من لقاء عابر في موسم الحج. حين يتعلم الملايين كيف يتحركون بانضباط، ويؤدون المناسك بروح جماعية، ويتحملون المشقة دون شكوى، فإنهم يتعلمون في الحقيقة كيف يكونون أمة..
وفي كل عام حين ترتفع الأصوات من كل فج عميق، معلنة.. لبيك اللهم لبيك، فإنها مع تلبيتها نداء العبادة، تلبي أيضاً نداء الوحدة… ذلك النداء الذي إن استُجيب له بحق، لتغير حال الأمة، وعادت إلى مكانها الذي يليق بها.





