أقلام

قوة الأب وانكسار المغترب

هاني الحجي

كنت جالسًا في أحد الأماكن العامة، وكان إلى جواري مغترب يتحدث مع عائلته عبر الهاتف.

كان صوته يصلني متقطعَا من حين إلى آخر. وهو يتنقل في أحاديثه بين أفراد أسرته يتحدث مع زوجته، ثم ينتقل إلى أحد أبنائه يتابع أمور تخص المدرسة، ثم يستمع إلى الابن الأكبر وبعده الأصغر.

كان يدير شؤون أسرته من مكانه البعيد، وكأنه موجود بينهم.

زوجته تشكوه همومها، وأبناؤه يبثونه شوقهم له، وكل واحد منهم يأتيه بمشكلة صغيرة أو كبيرة، وهو يحاول أن يجد لها حلًا. لم يكن أمامهم مجرد أب يتحدث عبر الهاتف، بل كان بالنسبة لهم مركز الأمان الذي يعودون إليه كلما واجهتهم متاعب في حياتهم.

وحين انتهت المكالمة لمحته يضع يديه على رأسه.

ظل لحظات صامتًا، ثم فجأة بدأ يبكي، وكأنه طوال المكالمة كان يؤجل انهياره إلى اللحظة التي يغلق فيها الهاتف.

في تلك اللحظة فهمت شيئًا مختلفًا عن الأب المغترب.

فهو يقاتل في معركة الحياة وحده، ولكنه لا يملك إعلان هزيمته في معركة الحياة أمام أولاده.

كان هذا الرجل طوال المكالمة صامدًا يستقبل مشاكل زوجته وأبنائه، يبحث لهم عن الحلول، يطمئنهم ويعطيهم شعورًا بالأمان ويفرش طرق حياتهم بورود الآمال، لم يكن يستطيع أن يقول لهم: أنا أيضًا متعب، وأشعر بالضياع.

لأنه يعرف أن انكساره سيصل إليهم.

لأنه أب ومغترب يعرف أنه لا يحارب في الحياة من أجل نفسه، بل يقف في وجهها كي لا تصل سهامها إلى أسرته. يتلقى السهام من كل الجهات، ثم يعود ليتحدث إليهم شامخًا، حتى لو كان في داخله إنسان يتهاوى.

يظل يبحث عن زاوية بعيدة في أعماقه، عن لحظة لا يراه فيها أحد من أسرته منهارًا، ثم يضع يده على رأسه ويبكي وحيدًا.

ربما في تلك اللحظة لا يتمنى شيئًا من الدنيا أكثر من أن يعود طفلًا وتكون أمه إلى جواره، ثم يضع رأسه في حضنها ويبكي كما يبكي الأطفال، ويحكي لها عن قسوة الحياة وتعبها، من دون أن يكون مطالبًا بأن يبدو قويًا في أبوته.

كم هو قاسٍ أن يكون الإنسان أبًا ومغتربًا، أن يكون سندًا للجميع، بينما لا يجد من يستند إليه عندما يتهاوى في غربته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds