أقلام

خذها أميرة أو دعها ملكة

قصي المؤمن

إن الزواج ليس عقدًا عابرًا ولا صفقة، إنه الرباط المقدس، الميثاق الغليظ الذي وصفه الله بأنه آية من آياته، فقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً)[الروم:21]

وهذا الرباط المقدس لا يحفظ بالقانون وحده، بل يحفظ بالمعروف، قال تعالى: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [النساء:19] وقال عز من قائل: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ).

أولًا: أميرة تحفظ هذا الرباط المقدس بالقناعة.

خذها أميرة من بيت أهلها، فإما أن تصون إمارتها عندك، أو دعها ملكة في بيت أبيها.

وهذا ما جسدته سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام، حين قالت لعلي عليه السلام:

(يا أبا الحسن، إني لأستحي من إلهي أن أكلف نفسك ما لا تقدر عليه)

المصدر: الأمالي للشيخ الطوسي ص228

فلم تقل أستحي منك، بل قالت أستحي من إلهي، فجعلت مراعاة حال الزوج عبادة. فالبيت الذي يبنى على التكليف بما لا يطاق ينهار رباطه المقدس، والبيت الذي يبنى على (أستحي أن أكلفك) يدوم.

ثانيًا: ملكة تحفظ هذا الرباط المقدس بالحياء.

والأميرة لا تحفظ بالجدران بل بحيائها، وهذا هو سر ديمومة هذا الرباط المقدس.

استأذن أعمى على فاطمة عليها السلام فحجبته فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله: لِمَ حجبتِه وهو لا يراك؟ فقالت عليها السلام:

(إن لم يكن يراني فإني أراه وهو يشم الريح، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: أشهد أنك بضعة مني).

المصدر: بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج43 ص91

وهنا نقف وقفة بليغة: هي لم تقل هو لا يراني فلا بأس، بل قالت (إني أراه وهو يشم الريح) فحفظت بصرها وحفظت عطرها الذي لربما اثار شيئًا في نفس الأعمى وهنا هو جوهر العفاف.

والمعنى: أن المرأة تحفظ حياءها فلا تظهر بكامل زينتها ولا تتهاون في إبداء مفاتنها أمام الناس، فإن التهاون في هذا الأمر هو بعينه معصية لله، وهو الذي يثير الغرائز ويفسد القلوب ويقطع هذا الرباط المقدس من أصله.

ونحن في هذا العصر استهنّا بهذا الأمر استهانة عظيمة، حتى نسينا الحجاب المطلوب الساتر والذي يرضاه الله. فصارت المرأة تخرج متعطرة متزينة بكامل زينتها وتقول نيتي طيبة، والنية الطيبة لا تبرر معصية الله ولا تمنع إثارة الغرائز. فاللتي تريد أن تبقى ملكة فلتحفظ حياءها، فإن الحياء هو تاج الملكة.

ثالثًا: ما الذي يقطع هذا الرباط المقدس اليوم؟

السوشيال ميديا

ومن أعظم أسباب كثرة الطلاقات وهدم هذا الرباط المقدس اليوم، ما دخل على بناتنا من مفاهيم مغلوطة عن التحرر، وما يُبث لهن ليل نهار في السوشيال ميديا من حياة وردية مصطنعة.

فالحرية هي أن تتحرري من أهواء النفس وتراقبي الله في الأسرة والسعي لبناءها وسعادتها.

السوشيال ميديا اليوم هي أكبر معول يهدم البيوت. تُعرض فيها لقطة مصطنعة: ذهب فلانة، وبيت فلانة، وسفر فلانة، وحياة وردية مفبركة لا حقيقة لها، فتبدأ المرأة تقارن بيتها الحقيقي الذي فيه تعب وتربية وديون ومسؤوليات، ببيت مزيف في الشاشة لا يظهر إلا اللقطة الجميلة البراقة.

فتسخط على رزق زوجها، وتثقله بكثرة المتطلبات، وتقول لماذا لست مثل زوج فلانة ؟ وتنسى قوله تعالى (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ) فمد العين إلى بيوت الناس يذهب بركة بيتك من قلبك.

ودعي عنك يا بنيتي الوساوس والأوهام التي يبثها بعضهم: تحرري، اطلبي الطلاق لأتفه سبب. فالطلاق ليس حرية، بل هو قطع لهذا الرباط المقدس وهدم للميثاق الغليظ.

رابعًا: حصنوا هذا الرباط المقدس قبل بنائه.

وكما لا نسمح لأحد أن يقود سيارة بلا رخصة وتدريب، فكيف نسمح له أن يقود أسرة وهي أقدس وأخطر؟

لذلك نؤكد على شرط مهم حصّنوا به هذا الرباط، بأن يتوجه الشاب والشابة قبل الزواج إلى المراكز التي وفرتها الدولة، والجمعيات الخيرية، التي جعلت نفسها للنصح والإرشاد وتقديم دورات في فنون التعامل وفقه هذا الرباط المقدس وإدارة الخلاف.

فالدولة – ولله الحمد – وفرت هذه المراكز، والجمعيات الخيرية قائمة بهذا الدور، فلا عذر لأحد أن يدخل هذا الرباط المقدس دون تأهيل.

والخلاصة:

هي في بيت أبيها ملكة، فإما أن تأخذها عندك أميرة وتصون هذا الرباط المقدس بقناعتها وحيائها، أو دعها ملكة في بيت أبيها معززة مكرمة.

فلا بأس ان تكون هي الأميرة وأنت الملك في البيت.

فدللها دلال الأميرات وهي تجلك وتحترمك كملك مهاب.

فالحياة جميلة بالصبر والتعاون والحب والتقدير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds