
الشيخ محفوظ الزويد
كم نحتاج من المال لكي نشعر بالأمان ؟ ومتى يتحول طلب الرزق من حاجة مشروعة إلى انشغال يستولي على الإنسان؟ وهل المشكلة في امتلاك المال، أم في أن يتحول المال إلى معيار للقيمة وموجّه للقرارات ؟
هذه الأسئلة تكشف أن علاقتنا بالمال ليست اقتصادية فحسب، بل هي علاقة أخلاقية وتربوية وروحية أيضًا. فالإنسان يحتاج إلى المال ليعيش، ويعيل أسرته، ويسكن، ويتعلم، ويتداوى، ويخطط لمستقبله؛ لكن الحاجة إلى المال تختلف عن تحوله إلى غاية تستولي على القلب والعقل.
والرؤية الإسلامية لا تدعو إلى احتقار الدنيا ولا إلى ترك أسباب المعاش، كما لا تعد الغنى شرًّا في ذاته، وإنما تضع المال في موضعه الصحيح ضمن منظومة الإنسان الأخلاقية.
يقول الله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
فالآية ترسم توازنًا دقيقًا: لا إلغاء لمال الدنيا فهو وسيلة إلى الآخرة ، ولا استسلام وعبودية له.
المال: ملكية ومسؤولية
حين يقول القرآن: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ يلفت النظر إلى أن المال، يملكه الإنسان ملكية اعتبارية مشروعة، وان الإنسان مستخلف عليه ، ولذلك يقول الله سبحانه: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾
وان لملكية في الإسلام ليست إباحة مطلقة بلا مسؤولية؛ للإنسان حق الكسب والتملك والتصرف، ولكن ضمن حدود الشرع وحقوق الآخرين.
ومن هنا لا يكون السؤال: كم أملك فقط؟ بل: كيف اكتسبت؟ وكيف أنفق؟ وما المسؤولية المترتبة على ما أملك؟
المال نعمة… واختبار
يقول الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ﴾ فالمال زينة، ويمكن أن يكون وسيلة للاستقرار والإعمار ورعاية الأسرة والإحسان إلى الآخرين، لكنه ليس غاية الوجود.
وان الأعمال الصالحة محفوظة للإنسان عند الله وهي خير ثواب يجازى بها الإنسان وهي خير امل للاخرة .
ولهذا قال سبحانه: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ ، الفتنة هنا بمعنى : وسيلة الإمتحان ،ويعتبر المال من اهم وسائل الإمتحان ، فالمال يكشف حقيقة الإنسان: ماذا يفعل حين يملك؟ هل يشكر أم يستكبر؟ هل يعدل أم يظلم؟ هل ينفق بحكمة أم يستهلك بلا حدود؟
فهناك فرق بين ان يكون المال نعمة ووسيلة وبين ان يكون غاية في ذاته ، فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام: ” كَثْرَةُ المَالِ تُفْسِدُ القُلُوبَ، وَتُنْشِئُ الذُّنُوبَ ”
كما ورد: ” مَا ذِئْبَانِ ضَارِيَانِ أُرْسِلَا فِي زَرِيبَةِ غَنَمٍ بِأَكْثَرَ فَسَادًا فِيهَا مِنْ حُبِّ الْمَالِ وَالْجَاهِ فِي دِينِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ ”
والدلالة هنا ليست أن كثرة المال بذاتها تساوي الفساد، وإنما أن حب المال حين يستولي على القلب قد يقود إلى الغفلة والطمع والاستعلاء والتجاوز.
المال ليس عدوًّا للإنسان
من الخطأ أن يفهم التحذير من حب المال على أنه دعوة إلى الفقر. فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « نِعْمَ العَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ الغِنَى » وعن الإمام الصادق عليه السلام: « نِعْمَ العَوْنُ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ ”
فالمال يمكن أن يكون وسيلة إلى الطاعة: يعين الإنسان على إعالة أسرته، وقضاء دينه، وصلة رحمه، والصدقة، والحج، وحفظ كرامته.
ولهذا قال الإمام الصادق عليه السلام فيمن يطلب الدنيا ليعود بها على نفسه وعياله، ويصل رحمه، ويتصدق ويحج ويعتمر: « لَيْسَ هَذَا طَلَبَ الدُّنْيَا، هَذَا طَلَبُ الآخِرَةِ» وهنا يصبح معيار المال هو الغاية التي يُطلب من أجلها والوظيفة التي يؤديها، لا مجرد وجوده.
المال الحلال والعمل المسؤول
لا يكفي في المنظور الإسلامي أن يكون المال كثيرًا؛ بل ينبغي أن يكون مشروع المصدر. قال تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾
فالربح الناتج عن الغش أو الظلم لا يصبح مشروعًا لمجرد أنه زاد الثروة.
ولذلك ورد عن الإمام الصادق عليه السلام: « لا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يُحِبُّ جَمْعَ الْمَالِ مِنْ حَلَالٍ، يَكُفُّ بِهِ وَجْهَهُ، وَيَقْضِي بِهِ دَيْنَهُ، وَيَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ ”
وفي هذا السياق يصبح طلب الرزق عملًا عبادياً أخلاقيًا، لا نشاطًا ماديًا مجردًا.
وروي عنه عليه السلام: « لَا تَدَعَنَّ طَلَبَ الرِّزْقِ مِنْ حِلِّهِ، فَإِنَّهُ عَوْنٌ لَكَ عَلَى دِينِكَ » فالإمام عليه السلام لا ينظر إلى العمل والكسب باعتبارهما شأنًا دنيويًا منفصلًا عن العبادة، وإنما يرى أن المعاش إذا طُلب من الطريق الحلال يمكن أن يتحول إلى وسيلة لخدمة الدين.
الرشد المالي
إذا كان المال ينبغي أن يُكتسب بحق، فإنه ينبغي كذلك أن يُدار برشد.
قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ وقال: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾
ومن هنا تأتي قيمة التدبير: أن يميز الإنسان بين الضروري والكمالي، وينظم إنفاقه، ويحذر من الديون غير الضرورية، ويدخر للمستقبل، ويخصص جزءًا من ماله للخير. وقد ورد عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام: ” إِصْلَاحُ الْمَالِ مِنَ الْإِيمَانِ ” يشير إلى أن حسن تدبير المال، وصيانته، وتنميته بالطرق المشروعة، والقيام بحقوقه، جزء من السلوك الذي ينسجم مع الإيمان ، وهذا من الوعي الاقتصادي .
فالرشد المالي ليس مهارة اقتصادية فقط، بل مسؤولية دينية أخلاقية؛ لأن سوء إدارة المال قد يضر بالأسرة، ويقود إلى الديون، ويضعف الاستقلال، بينما حسن التدبير يعين على الاستقرار والكرامة.
المال مسؤولية اجتماعية
لا يتوقف أثر المال عند صاحبه. يقول تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ولذلك شرع الإسلام الزكاة والخمس والصدقات والوقف وسائر وجوه التكافل، وفق أحكامها الشرعية.
كما أن العطاء نفسه له أخلاق؛ قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ فالمطلوب إحسان يحفظ كرامة المحتاج، لا عطاء يتحول إلى وسيلة للإذلال.
وهنا يظهر البعد الاجتماعي للمال: الثروة ليست شأنًا فرديًا محضًا، بل ترتبط بالحقوق والتكافل ومنع الظلم والاستغلال .
الخلاصة :
المشكلة ليست في أن نملك المال، وإنما في أن يتحول المال إلى مالكٍ للإنسان. فالمال في الرؤية الإسلامية وسيلة للحياة، وأداة للإعمار، وسبب لرعاية الأسرة، ومجال للإحسان والاستقلال؛ لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى غاية تستولي على القلب.
ولهذا يمكن تلخيص الموقف الإسلامي في معادلة واضحة: لا رفض للثروة ولا عبودية لها؛ لا كسل باسم التوكل ولا جشع باسم النجاح؛ لا إسراف باسم تحسين المعيشة ولا تقتير باسم الزهد.
إن الثروة الحقيقية ليست في مقدار ما يدخل إلى يد الإنسان، وإنما في قدرته على أن يجعل ما في يده وسيلة للخير. فالمال النافع هو المال الذي يُكتسب بحق، ويُدار بحكمة، ويُنفق في موضعه، ويبقى في يد الإنسان وسيلةً للعمران والطاعة، لا قيدًا على روحه.
وكأن الآية تختصر المسألة كلها: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾..





