
أحمد الطويل
تنويه: هذه المقالة هي الرابعة من سلسلة “الحسين الذي لا يغيب”، ننتقل فيها من الحديث عن حضور الإمام الحسين عليه السلام في الفكر والوجدان، إلى أثر هذا الحضور في بناء شخصية الإنسان، وكيف يتحول الولاء للحسين عليه السلام من مشاعرٍ تُعاش إلى منهجٍ يُمارس في الحياة.
مقدمة:
إذا كان الإمام الحسين عليه السلام قد بقي حيًّا في ضمير الأمة، وإذا كانت كربلاء قد أصبحت حجةً متجددة، وإذا حفظت مدرسة أهل البيت عليهم السلام هذا الحضور بالوعي والوجدان، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: ما الثمرة العملية لكل هذا؟
فهل يكفي أن نعرف الإمام الحسين عليه السلام، ونحبه، ونبكي عليه، أم أن النهضة الحسينية أرادت من الإنسان أكثر من ذلك؟
إن رسالة الإمام الحسين عليه السلام لم تكن دعوةً إلى مشاعر عابرة تنتهي بانتهاء موسمٍ أو مناسبة، وإنما كانت مشروعًا لبناء الإنسان. ولذلك فإن أعظم وفاءٍ للحسين ليس أن تبقى ذكراه حيةً في اللسان فقط، بل أن تبقى قيمه حيةً في الأخلاق، وفي القرارات، وفي طريقة التعامل مع الله والناس.
ولهذا لم يكن أصحاب الإمام الحسين عليه السلام عظماء لأنهم أحبوه فحسب، بل لأن محبتهم تحولت إلى صدقٍ، ووفاءٍ، وشجاعة، وصبر، وإيثار. فقد جسّدوا في مواقفهم ما آمنوا به، حتى أصبحوا جزءًا من خلود كربلاء.
وهنا تتجلى الحقيقة الكبرى: أن الحسين عليه السلام لا يريد من أتباعه أن يقفوا عند حدود الإعجاب بسيرته، وإنما يريد أن يصبحوا امتدادًا لرسالته في واقع الحياة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مؤمن على نفسه: كيف ينعكس حبي للحسين على أخلاقي؟ وكيف تتحول كربلاء من ذكرى أحييها إلى منهجٍ أعيش به؟
وهذه وقفةٌ مع الحسين حين يصبح منهج حياة.
الحب الذي يصنع الإنسان
لا يُراد من الارتباط بالإمام الحسين عليه السلام أن يبقى شعورًا داخليًا أو انفعالًا وجدانيًا ينتهي بانتهاء موسمٍ أو مجلس، بل إن قيمته الحقيقية تظهر عندما يتحول إلى أثرٍ في شخصية الإنسان وسلوكه.
فالحب في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ليس مجرد عاطفة، وإنما قوةٌ تربوية تغيّر الإنسان من الداخل. ولهذا كان الأئمة عليهم السلام يربّون شيعتهم على أن يكون الولاء لهم ظاهرًا في الأخلاق قبل الشعارات، وفي العمل قبل الادعاء.
إن الإنسان بطبيعته يتأثر بمن يحب، فيتشبه به من حيث يشعر أو لا يشعر. ولذلك فإن المحبة الصادقة للإمام الحسين عليه السلام تدفع المؤمن إلى أن يسأل نفسه باستمرار: هل أخلاقي تشبه أخلاق الحسين؟ وهل مواقفي تعبّر عن المبادئ التي استشهد من أجلها؟
فمن أحب صدق الحسين، سعى إلى الصدق في حياته، ومن أحب عدله، ابتعد عن الظلم، ومن أحب وفاءه، كان وفيًّا في عهوده، ومن أحب شجاعته، ثبت على الحق وإن خالف هواه أو خالف الناس.
ولهذا لا يكون الولاء الحقيقي بكثرة الحديث عن الحسين عليه السلام، بل بأن يصبح الحسين حاضرًا في القرار الذي يتخذه الإنسان، وفي الكلمة التي ينطق بها، وفي الأمانة التي يؤديها، وفي الموقف الذي يقفه عندما يتعارض الحق مع المصلحة.
فإذا لم يُثمر حب الحسين صدقًا وعدلًا ورحمةً وأمانةً وتواضعًا، بقي حبًا لم يبلغ غايته. أما إذا انعكس على السلوك، فقد أدى رسالته، وأصبح الإنسان ترجمةً حيّةً لبعض ما تعلمه من مدرسة كربلاء.
حين يصبح الولاء مسؤولية
ليس أصعب ما في الولاء أن يُعلن الإنسان محبته للإمام الحسين عليه السلام، وإنما أن يتحمل مسؤولية هذه المحبة في حياته. فكل انتماءٍ صادق يحمّل صاحبه واجبًا، وكل ولاءٍ حقيقي ينعكس في موقفٍ وسلوك.
لقد أراد الإمام الحسين عليه السلام أن يبني في الأمة إنسانًا مسؤولًا، لا إنسانًا يكتفي بالعاطفة أو بالشعارات. ولذلك لم تكن نهضته دعوةً إلى الحزن المجرد، وإنما دعوةً إلى إصلاح الإنسان والمجتمع، وإحياء روح المسؤولية في مواجهة الانحراف.
ولهذا فإن من يقول: السلام عليك يا أبا عبد الله، لا يكتفي بإعلان المحبة، بل يجد نفسه مدعوًا إلى أن يسأل: ماذا يقتضي هذا السلام مني؟ وما الذي يفرضه عليّ انتسابي إلى مدرسة الحسين؟
إن المسؤولية تبدأ من أقرب الدوائر إلى الإنسان؛ في أسرته حين يكون قدوةً في أخلاقه، وفي عمله حين يؤدي الأمانة بإخلاص، وفي تعامله مع الناس حين يلتزم العدل والرحمة، وفي مجتمعه حين يكون عنصر إصلاحٍ لا عنصر فساد.
فالإمام الحسين عليه السلام لم يقدّم نفسه للأمة ليُبكى عليه فحسب، بل ليُقتدى به. والاقتداء لا يظهر في المواقف الاستثنائية وحدها، بل في تفاصيل الحياة اليومية؛ في الكلمة الصادقة، والخلق الكريم، والصبر على الشدائد، والثبات على المبادئ.
ومن هنا يصبح الولاء مسؤوليةً متجددة، لا تنتهي بانتهاء موسم عاشوراء، ولا بخروج الإنسان من مجلس العزاء، بل ترافقه في كل يوم، حتى يغدو حضوره مع الحسين عليه السلام ظاهرًا في عمله قبل قوله، وفي سيرته قبل شعاره.
كونوا لنا زينًا
بعد أن يتحول حب الإمام الحسين عليه السلام إلى مسؤولية، يبقى السؤال: كيف يعرف الإنسان أنه يسير في الطريق الصحيح؟
لقد وضع أهل البيت عليهم السلام ميزانًا واضحًا لذلك، واختصر الإمام الصادق عليه السلام هذا الميزان في كلمةٍ جامعة حين قال: “كونوا لنا زينًا، ولا تكونوا علينا شينًا”.
إن هذا الحديث لا يخاطب مشاعر المحبة، وإنما يخاطب حقيقة الانتماء. فليس كل من أعلن ولاءه لأهل البيت عليهم السلام قد أدى حق هذا الولاء، وإنما يظهر صدق الانتساب حين يرى الناس أثره في أخلاق الإنسان وسلوكه.
فالناس قد لا يقرأون كتب العقيدة، ولا يعرفون تفاصيل التاريخ، لكنهم يقرؤون أفعال أتباع أهل البيت عليهم السلام. فإذا رأوا الصدق، والأمانة، والرحمة، والعدل، والتواضع، قالوا: هذا أثر مدرسة الحسين. أما إذا رأوا خلاف ذلك، فإنهم يسيئون الظن بالمدرسة من خلال من ينتسب إليها.
ومن هنا كانت مسؤولية المنتسب إلى الإمام الحسين عليه السلام أعظم من أن تقتصر على الشعارات. فهو يحمل رسالةً يمثلها في بيته، وعمله، ومجتمعه، وكل تصرفٍ يصدر منه قد يكون سببًا في تقريب الناس من هذا النهج، أو تنفيرهم عنه.
ولهذا لم يجعل أهل البيت عليهم السلام حسن الخلق أمرًا مستحبًا فحسب، بل جعلوه من أوضح صور الدعوة إلى الله. فحين يلمس الآخرون إنسانًا مستقيمًا في معاملته، صادقًا في حديثه، أمينًا في مسؤوليته، رحيمًا بمن حوله، فإنهم يشاهدون صورةً حيّةً لما صنعته مدرسة أهل البيت في أتباعها.
وهكذا يصبح الولاء للإمام الحسين عليه السلام رسالةً يحملها الإنسان في سلوكه قبل كلماته، وفي أخلاقه قبل شعاراته، فيكون زينًا لأهل البيت عليهم السلام كما أرادوا، لا شينًا عليهم.
ويبقى الحسين في أخلاق أتباعه
لم يُرِد الإمام الحسين عليه السلام من نهضته أن تبقى ذكرى تُروى، ولا أن تكون مشاعر تُستثار في موسمٍ ثم تخبو، وإنما أراد أن يوقظ في الإنسان ضميرًا حيًّا، ويصنع منه نموذجًا يعكس قيم الحق والعدل والرحمة والوفاء.
ولهذا فإن أعظم ما يقدمه المؤمن للإمام الحسين عليه السلام ليس كثرة الشعارات، بل صدق الاستقامة. فحين يرى الناس في أتباعه أمانةً في التعامل، وعدلًا في المواقف، ورحمةً في الأخلاق، وصدقًا في الكلمة، يدركون أن كربلاء ما زالت تصنع الإنسان كما صنعت أصحابها الأوائل.
ويبقى السؤال الذي يفتح لنا أفقًا جديدًا: إذا كان الإمام الحسين عليه السلام يصنع الإنسان، فكيف يمكن لمنهجه أن يهدي المؤمن في مواجهة تحديات العصر، ويمنحه البصيرة في زمن كثرت فيه الفتن واختلطت فيه المفاهيم؟
ذلك ما سنتأمله في المقالة الخامسة بإذن الله.
اللهم اجعل حبَّ الحسين عليه السلام نورًا في قلوبنا، وأثرًا في أخلاقنا، وثباتًا في مواقفنا، ولا تجعلنا ممن ينتسب إليه قولًا ويخالفه عملًا، إنك سميعٌ مجيب.




