
هاني الحجي
أرى أن هذا الكتاب يُقرأ مع كوب من القهوة الفرنسية بالشوكولاتة الساخنة.
يأتي كتاب «حديث الضفاف – أسبوع في باريس» للأديبين طاهر الزهراني وآمنة بو خمسين ضمن ما يمكن تسميته أدب الرحلات الثقافية أو المذكرات الثقافية، فالكتاب لا يتوقف عند تسجيل أحداث الرحلة، بل يحولها إلى تجربة إنسانية وثقافية ماتعة للقارئ.
يوثق الكتاب رحلة الوفد السعودي المشارك في فعالية ثقافية في باريس، الذي ضم الأديبين طاهر الزهراني وآمنة أبو خمسين، إلى جانب الدكتور علي زعلة.
تساءلت: لماذا لم يشارك الدكتور علي في كتابة هذا العمل؟ ورأيت أن الكاتبين اختارا أن يرويا التجربة من زاوية الأديب، بينما قد يغلب على الدكتور علي الانطباع الأكاديمي. وربما يعود ذلك إلى اختلاف زاوية النظر بين الأديب والأكاديمي، فالأكاديمي يميل إلى التحليل والبحث، في حين يلتقط الروائي التفاصيل الإنسانية واليومية التي تمنح النص جمالياته.
-علمًا أن الدكتور علي أديب ومبدع أيضًا.
يصف الكتاب مدينة باريس ومعالمها منذ الوصول إلى المطار، ثم الانتقال إلى الندوة المخصصة للحديث عن الرواية السعودية، حيث فوجئ المشاركون بأن المطلوب منهم إلقاء كلمات مرتجلة لمدة ربع ساعة، وهو ما لم يُنسق له مسبقًا من قبل اللجنة المنظمة، ثم أعقب ذلك حوارات مفتوحة مع الحضور الذين يمثلون جنسيات متعددة حول الأدب السعودي.
من أجمل محطات الكتاب توصيف اللقاء الطويل الذي جمعهم بالأديب الجزائري واسيني الأعرج وزوجته زينب، والذي امتد خمس ساعات في حديث مفتوح عن الأدب والثقافة، ثم تجدد اللقاء مرة أخرى، في دلالة على الانسجام الذي صنعته الثقافة بين الأطراف. كما يلفت الكاتبان إلى حضور واسيني الثقافي والإنساني، وحرصه على إشراك زوجته في الحوار، وهو ما شد انتباههما ويعكس رقي الروائي العربي.
أخذني الكتاب في جولة بين معالم باريس، من برج إيفل إلى متحف اللوفر مرورًا بزيارة منزل فان جوخ، والكنائس، والمقابر، والشوارع، والمكتبات، والمطاعم.
ودهشة طاهر الزهراني بمشاهدة نسخة من أحد كتبه في المعهد الثقافي العربي وبعض متاجر الكتب، ويمتد الوصف إلى قراءة العادات والحياة اليومية في شوارع باريس، لدرجة يشعر القارئ أنه يسير برفقة الكاتبين في أحياء باريس.
من المواقف التي سجلها الكتاب تعرض آمنة أبو خمسين لموقف غير مريح في أحد المطاعم بسبب حجابها إذ رفض أحد النُّدُل جلوسهم في المطعم، بينما يؤكد الكاتبان أن هذا الموقف لم يكن يعكس تعامل عامة الناس، الذين بدوا في المجمل ودودين وطبيعيين في تعاملهم مع الزائرين، بمن فيهم آمنة المحجبة.
يلتقط الكتاب أيضًا بعض التفاصيل التي تعكس شخصيات رفقاء الرحلة، مثل عدم اهتمام طاهر بالتصوير، وحرص آمنة على توثيق اللحظات ونقلها عبر وسائل التواصل، إضافة إلى الاهتمام باقتناء الكتب العربية من مكتبات باريس، وهو ما يصور البعد الثقافي في الرحلة والبحث عن المعرفة بقدر ما كانت انتقالًا بين الأمكنة.
برأيي من أكثر ما يميز الكتاب أنه لا يقدم باريس بوصفها مدينة سياحية فحسب، بل بوصفها فضاءً للحوار الثقافي تلتقي فيه الثقافات والهويات المختلفة دون أن تفقد خصوصيتها.
من جانب آخر أرى أن هذا العمل يقدم أنموذجًا جميلًا لما يمكن أن نسميه أدب الرحلات الثقافية من حيث توثيقه للحدث الثقافي، وإن كنت أرى أنه كان سيزداد ثراءً لو توسع في الحديث عن الندوة نفسها واللقاءات الثقافية التي أعقبتها. ومع ذلك فقد قدم معرفة ثقافية بروح الانطباع الشخصي.
شعرت كقارئ أنني شاركت الكاتبين إلى جانب الدكتور علي هذه الرحلة، وكنت أجلس معهما في لقاءاتهما، وأتأمل معهما المتاحف والشوارع والمقاهي، وذلك بفضل جمال اللغة الوصفية وانسيابيتها.
الأجمل من ذلك، برأيي، أن الكتاب قدم صورة مشرقة عن المثقف السعودي وهو يمثل وطنه في الندوات الرسمية، في سلوكه، وحواراته، وروحه الإنسانية، والعلاقة الودودة التي جمعت أعضاء الوفد طوال الرحلة رغم اختلاف مناطقهم وجنسهم.
استمتعت بالكتاب إلى درجة شعرت معها أنني أجلس مع الوفد في مقاهي باريس، أرتشف القهوة الفرنسية وأتأمل تفاصيل الرحلة.
أعجبتني فكرة الكتاب، وأعتقد أنها جديرة بالتكرار، لأنها تفتح بابًا واسعًا أمام كتابة الرحلات بوصفها تجربة ثقافية تستحق التوثيق والتسجيل.






