
عبد الكريم النمر
يقولون إن القلب يسبق العقل أحيانًا.
لا أصدّق هذا الكلام تمامًا.
ولكن في صباح ذلك اليوم، في غرفة انتظار بيضاء بلا نوافذ، رأيت امرأة تعرف ما لا يعرفه أحد.
لم تقرأه في تقرير، ولم يخبرها به طبيب. عرفته بطريقة… لا أعلم كيف.
الساعة التاسعة صباحًا… وقت الذروة…
الجميع جالس ينتظر دوره للدخول إلى غرفة الأشعة… وأنا واحد منهم…
جميعنا نتشارك شيئًا واحدًا: القلق.
كل واحد منا يحمل في صدره سؤالًا لا يجرؤ على سؤاله بصوت مرتفع.
أنتظر دوري… قرأت جميع ما كُتب على جدران غرفة الانتظار، وإن كان بعضه لا يعنيني… ولكن عيني لا تستقر… ولم تكن آنذاك جوالات ذكية ولا إنترنت لتمضية الوقت… وهو أصعب ما يكون على المريض آنذاك.
ثمة امرأة تبدو في الخمسين من العمر، محتشمة، وقورة، لا تجلس، بل تمشي من طرف القسم إلى آخره ذهابًا وإيابًا، وعلى شفتيها ذكر لا ينقطع.
الجميع ينظر لها ثم يعود إلى قلقه الخاص.
جاء أحد الموظفين وطلب منها بلطف أن تجلس كغيرها. ثم قال لها:
إن أشعة والدها ستأخذ خمسًا وأربعين دقيقة، وأن هذا النوع من الأشعة لا خطورة فيه ولا مضاعفات، وأنه يجب عليها أن تهدأ وتستريح.
ابتسمت له ابتسامة لا تكاد تُرى، ثم عادت إلى مشيها حين دخل.
سمعناها تقول بصوت خافت مبكٍ، وهي تمر من أمامنا:
أبتاه… أبتاه… كلنا نحبك… كلنا نحتاج إليك… أرجوك عد لنا كما كنت.
ملأت الدموع وجهها ولم تمسحها، لأنها، في الحقيقة، لا تعلم بما حولها، بل لا تشعر بأي شيء حولها… فشعورها… قلبها… كلها… ناحية غرفة أبيها.
بعد مضي حوالي أربعين دقيقة… فُتح الباب، وخرجت ممرضتان تجران سريرًا أبيض عليه رجل مغمض العينين.
علمنا لاحقًا أنه كان منوّمًا في المستشفى، وأن وضعه الصحي لم يكن يسمح له بالمشي، لذلك جِيء به إلى قسم الأشعة على سريره.
قبل أن يصل السرير إليها، كانت هي قد وصلت إليه. انكبّت عليه تقبّله، وترفض رفع رأسها عنه.
كانت الممرضتان تقولان لها بعربية متعثرة: بابا ما فيه شيء… خلصّت الأشعة.
رفعت رأسها وصرخت صرخةً ذهب معها كل وقارها الذي رأيناه طوال الأربعين دقيقة الماضية:
أبويي… أبويي… لا تمت… لا أستطيع العيش بدونك.
صرخت إحدى الممرضات بكلمات لم نفهمها، ولكننا فهمنا معناها.
ثوانٍ معدودة حتى امتلأ الممر بالأطباء والممرضات، وأخذوا السرير بعيدًا.
بقيت هي واقفة، ثم انكبّت مرة أخرى، بل سقطت على المكان الذي كان فيه سرير أبيها… وكأن السرير لا يزال هناك…
لا تأخذوا أبي… لا تأخذوا أبي.
أحتاج إليه… لا تأخذوا مني أبي… أرجوكم لا تأخذوه… لا أستطيع العيش بدونه.
الصمت خيّم على المكان كله.
صمت ثقيل لم يجرؤ أحد على كسره، ولو بكلمة مواساة لامرأة حار الحاضرون فيها… بينما كانت الدموع تنساب من عيون الجميع… ربما مواساة، ولكن دون كلام.
لم يكونوا يبكون الأب الذي ربما رحل… بل كانوا يبكون تلك الابنة التي بدا وكأن روحها تُنتزع مع كل خطوة يبتعد عنها أبوها.
حين جاء دوري ودخلت، سألت فني الأشعة عن الرجل.
سكت برهة، ثم قال: انتهت الأشعة وخرج بشكل طبيعي.
قلتُ: لكن حين خرج تم استدعاء الطوارئ.
نظر إليّ، ثم أنزل عينيه إلى الأسفل وقال:
توفي… بعد انتهاء الأشعة مباشرة… أو ربما أثناءها… لا أعلم
جاءت الممرضة وأخذتني إلى جهاز الأشعة وأعطتني التعليمات.
رفعت رأسي نحوها وقلت في داخلي: وماذا نفعت هذه التعليمات لمن كان هنا قبل قليل؟
حاول أن تسترخي تمامًا ولا تتحرك أثناء الفحص… هذه آخر تعليمات الممرضة لي… وربما كانت آخر ما سمعه من كان قبلي هنا قبل قليل.
أربعون دقيقة داخل جهاز ضيق، وأنا أفكر في شيء واحد: كيف عرفت؟
لم يخبرها أحد. لم تقرأ تقريرًا ولم ترَ علامة.
فقط مشت ذهابًا وإيابًا، وكأن قلبها يودّع ما يعرف أنه راحل.
“ربما الحب يعرف ما لا يعرفه الطب.”
وحين خرجت، كنت أنا بخير. أشعتي سليمة، والتقرير المبدئي جيد.
ولكنني لم أشعر بالارتياح الذي توقعته.
فكّرت: هي جاءت تخاف على أبيها، وأنا جئت أخاف على نفسي.
كلانا كان يخاف. الفرق أن خوفها كان حبًا، وخوفي كان أنانية.
همسة مريض:
حين يحين القدر، لا تنفع الأشعة، ولا تنفع التعليمات، ولا حتى العمليات.
المرأة التي مشت ذهابًا وإيابًا علّمتني شيئًا لم يعلّمني إياه أحد:
“الحب يعرف ما لا يعرفه الطب.”





