
أحمد الزيلعي
ويسير الركب مع الجزء الثالث من هذا الكعكة الثقافية من يراع الأستاذ القدير أبي علي يوسف أحمد ناشي الفار مستعرضًا فيها بعض شعراء الفكاهة والهزل، فلنعد كأس قهوتنا الدافئ لتمتزج مرارته الحاذقة مع شهد هذه الكعكة الأدبية لتكون مزيجًا يكسر التضاد ليخلق متعة سياحية ثقافية:
الهجاء والسخرية في شعر ابن الرومي
من الظرفاء البارزين في عصره “ابن الرومي” وهو علي بن العبّاس بن جریح الرومي، أبو الحسن. کان مزیجًا من دم روميّ وفارسيّ. نزح أجداده إلى بغداد عاصمة الدولة العباسية، فأقاموا فيها مع مواليهم بني العباس. مات والده وهو طفل وقد نزلت بابن الرومي خطوبٌ فادحةٌ أفقدته الصواب، وزجته في لُجة عميقة من التشاؤم والتطير. وکان نهماً إلی الحیاة ومآكلها وطیّباتها، فطلبها بشدّة، واحتاج إلى المال الجزيل، فلم یجده، ولم یجد حظوةً لدی أرباب السلطان، کما لم یجد من البشر تقديرًا، ولم یلق إلّا هزءً وسخریّةً، فسخط عليهم، وتأفّفًا من الدهر والحیاة.
عاصر ابن الرومي عصور ثمانية من الخلفاء العباسيين، معظمهم يرفضون مديحه ويردون إليه قصائده، ويمتنعون عن بذل العطايا له[منهم المعتصم – الواثق- المتوكل حتى المعتمد على الله]، مما قاله في ذلك:
قد بُلينا في دهرنا بملوكٍ
أدباءٍ عَلِمْتُهمْ شعراءِ
إن أجدنا في مدحِهم حسدونا
فحُرِمنا منهُمْ ثوابَ الثناءِ
أو أسأنا في مَدْحهم أنَّبونا
وهَجَوْا شعرَنا أشدَّ هجاءِ
قد أقاموا نفوسَهم لذوي المدْح
مُقامَ الأندادِ والنظراءِ
عاش ابن الرومي حتى خلافة المعتضد، ورُوي أنّه مات مسمومًا بتدبير من القاسم بن عبيد الله الوهبي وزير المعتضد، خشية من لسان الشاعر، فقد کان ظالمًا عاتیًا وخاف أن یهجوه ابن الرومي فدسِّ له السّم في قطعة حلوی، ودسّ له من أطعمه إياها. فکانت وفاته في بغداد، ودُفن فیها في مقبرة البستان، وقد نیّف علی الستين.
وأمّا سخريته وهجاؤه، فهي انتقام اجتماعي وقصاصٌ رادعٌ من هؤلاء الناشزين الذين جسّدَ عيوبهم وأخلاقهم في شعره. وهو من هذا الطریق یُعبّر عن نقمة محروم وکان یرید أن یعیش عیشة تلیق برتبته ومقامه العالي في رأیه، وبالمنزلة التي یری نفسه أحقّ بها من غیره، إلّا أنّه لم یظفر بشيء من ذلك، ولازمه الحرمان، لهذا استخدم لسانه في الدفاع عن نفسه لأنّه لا يملك غيره. «وبین السخریة الحزینة، والسخرية التي تعکس شعورًا بالكارثة، والسخرية الضاحكة ، ینسحق العالم ويتفتت. فالسخرية تترجم حاجة روحية؛ المجتمع یسحق الشاعر دون مبالاته وإنكاره، فيسحقه الشاعر بأنّ يسخر منه ويحتقره. كما نرى خاصة عند ابن الرومي» فهذا المجتمع وبینهم أمراء وقادة، یسخر منه ویعتمد في إيذائه وکان یستهین بشعره وبشخصه، ویحرمه من العطایا، فیتألم إذ یری من هو دونه ينال العطايا، وهو يكاد يبلغ اللقمة، فيسخر من هذا المجتمع الأعمی وأفراده. ابن الرومي یصور العاهات لدی الشخص المهجو، خُلقیة کانت أو خَلقیة ویأتي بها في هجائیاته ویسخر منها وقد خصص قسمًا هامًّا من دیوانه لها. وهو في الحالتين، شدید الوطأة علی الشخص، یسلب منه جمیع الصفات الحميدة ویعطیه كل المعایب والرذائل ویسخر منه ویستهزئ به، کهذه القصیدة:
یا سیّدًا لم یزل فروع
من رأیه تحتها أصول
أمثلُ عمرٍ یَسُوم مثلي
خسفًا وأیامُه حول
أمثلُ عمرٍ یُهینُ مثلي
عمدًا ولا تنتضي النُّصول؟
یا عمرو سالت بك السیول ُ
لأمك الویل والهبول
وجهك یا عمرو فیه طول
وفي وجوه الکلاب طول
فأین منك الحیاة قل لي
یا کلبُ والکلبُ لا یقول؟
والکلبُ من شأنه التعدّي
والکلبُ من شأنه الغلولُ
مقابح الکلب فيك طرًا
یزولُ عنها ولا تزولُ
وفیه أشیاء صالحاتٌ
حماکَها الله والرسولُ
وقد یُحامِ عن المواشي
وما تحامي ولا تصول
وأنت من أهل بیت سوء ٍ
قصتهم قصة تطول
وجوههم للوری عِظات
لکن أقفاءهم طبول
نستغفر الله قد فعلنا
ما یفعل المائق الجهول
ما أن سألناك ما سألنا
إلّا کما تُسأل الطلول
صمتٌ وعیبٌ فلا خطاب
ولا کتابٌ ولا رسولُ
مستفعل فاعل فعول
مستفعل فاعل فعول
بیت كمعناك لیس فیه
معنی سوی أنّه فضول
-قال ساخرًا من صاحب لحية طويلة:
ان تطل لحية عليك وتعرض
فالمخالي معروفة للحمير
علق الله في عذاريك مِخــلاة
ولكنها بغيـــــر شعــــــير
لوغدا حكمها الي لــطـارت
في مهب الرياح كل مطير
ارع فيها الموسي فإنـك منها
شــهــد الله فــي آثام كـبير
لحية أهملت فسالت وفاضت
فـإلـيـهـا تـشـير كفُّ المشيرِ
فــاتـق الله ذا الــجــلال وغيّر
منكرًا فيك مـمـكـن الـتـغيير
أو فقصرهُ منها فحـسبك منها
نصفُ شبر علامة الـتذكـير
لــــوراهــا الــنــبـي لأجري
في لحي الناس سُنة التقصير
وله ،:
رجلٌ عليه لحيةٌ
منها قَرامِلُ زوجتِهْ (1)
لو يجمعِ اللهُ اللِّحى
كانت حُدَافَة لحيتِهْ (1)
ومن سخريته القائمة على الوصف المضحك، ما قاله في وصف رجل أحدب:
قصرت أخادعه وغاب قذاله
فكأنه متربص لن يصفعا
وكأنما صفـعت قـفــاه مــرة
وأحــس ثــانية لها فتجمعا
نبغ ابن الرومي في الهجاء وفاق الكثيرين في الوصف والسخرية وهنا نراه يهجو شخصا يدعى ابو قره ويصفه وصفًا دقيقًا كأنها صوره كاريكاتيرية ساخرة أو صورة فوتوغرافية قائلًا:
أقصرٌ وعَوَرٌ
وصَلعٌ في واحدٍ؟
شواهدٌ مقبولةٌ
ناهيك من شواهد
تخبرنا عن رجل
حي قائمًا كقاعد
فك منه بصرًا
مثل السّراج الواقد
وحتّ منه شعرًا
أسود کالعناقد
هجاء ابن الرومي للاخفش
الأخفش: أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشمي السجستاني ثم البصري (141ه-215 هـ) مقرئ نحوي لغوي فارسي، نزيل البصرة وعالمها مدرستها؛ كان إمامًا في علوم الآداب، وعنه أخذ علماء عصره كأبي بكر محمد بن دريد والمبرد وابن قتيبة الدينوري وغيرهم، ويعد استاذًا لأبي الفرج الاصفهاني.(ومعنى الأخفش: صغير العينين ضعيف البصر) –
كاد ابن الرومي ان يوقف حياته على هجاء الأخفش، وكاد الأخفش أن يوقف حياته على التشنيع به والزراية عليه، وله الكثير من القصائد التي يسخر فيها ابن الرومي ويشنع بالأخفش بأنعت الصفات والكلام الفاحش
ونورد له هذه القصيدة وفيها من هجر القول ما لا يسمح بذكره المقام، من ذلك الهجاء المقذع — حيث أنه أساء إلى جمهرة من أعيان الدولة، وكبار رجالها الذين هجاهم أو هجا آباءهم — بقول في الاخفش:
ألا قُل لنحويِّكَ الأخفشِ
أنِسْتَ فأقصِرْ ولم تُوحِشِ
وما كنتَ عن غيَّةٍ مُقصِرًا
وأشلاءُ أُمك لم تُنْبَشِ
تحدّيتَ صَلًّا وفي نفْثه
نذيرٌ فأقلِع ولم تُنهش
ومن هجاء ابن الرومي للأخفش ليتبين لنا صحة ما ذهبنا إليه، قال من قصيدة طويلة رائعة:
قلت لمن قال لي: عرضت على الأخـــ …..
ـــفش ما قلته فما حمده
قصرت بالشعر حين تعرضه….. على مبين العمى إذا انتقده.
ما قال شعرًا ولا رواه، فلا….. ثعلبه كان، لا ولا أسده.
فإن يقل: «إنني رويت» فكالدفــ….. ـــتر جهلًا بكل ما اعتقده.
أرُمتَ زيني بأن تعرضني….. لمدحه؟ فالذليل من عضده.
أم رمت شيني بأن تعرضني…… لثلبه؟ فالسليم من قصده.
إلى أن قال:
شعري شعر إذا تأمله الإنـــ……. ـسان ذو الفهم والحجا عبده.
لكنه ليس منطقًا بعث الله…. به آية لمن جحده.
ولا أنا المفهم البهائم والطيــ…… ــر سليمان قاهر المرده.
وما بلغت بي الخطوب رتبة من….. تفهم عنه الكلاب والقرده.
ثم قال بعد أبيات:
لا رحم الله أم أخفشكم.. ولا سقى قبر والد ولده
ماذا عليه وقد رأى ولدًا.. أعور جم العوار لو وأده!.
سأُسمع الناس ذمه أبدًا.. ما سمع الله حمد من حمده.
ابو دلامة
نعرج على شخصية تجيد السخرية والتهكم شاعر مخضرم عاش في العصر الاموي والعباسي الشاعر [ (زند بن الجون) وقيل زبد أو زيد. إلا أن أكثر المصادر تتفق على أنه (زند بن الجون). وسبب شهرته بكنيته (ابو دلامة) انه كان طويلًا وأسود البشرة. ودلامة اسم علم مذكر عربي، من الفعل دَلِمَ، أي اشتدَّ سواده…….
شاعر ساخر عاش في العصر العباسي، وكان عبدًا لرجل من أهل الرقة من بني أسد وأعتقه فيما بعد، كان معاصرًا لخلفاء بني العباس الثلاث الأوائل وهم السفاح والمنصور والمهدي، بل يعد شاعرهم ونديمهم الخاص، وكان أبو دلامة فكهًا مرحًا يمتاز بسرعه البديهة والذكاء الخارق فهو حسن الحديث ممتع الرواية.
تذكر بعض المصادر أنه قد قضى أكثر من عشرين عامًا في الدولة الأموية. وأنه ولد 100ه أو 110ه. ففي بعض الروايات أنه مات شيخًا عام 160ه.
ومن طرافته ونوادره قال المدائني: دخل أبو دلامة على المهدي وعنده إسماعيل بن محمد وعيسى بن موسى والعباسي بن محمد ومحمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بنى هاشم. فقال له: لئن لم تهج واحدًا ممن في البيت لأقطعن لسانك. فنظر إلى القوم، فكلما نظر إلى واحد منه غمزه بأن عليه رضاه. قال أبو دلامة: فعلمت أنى قد وقعت، وأنها أزمة من الأزمات لابد منها، فلم أر أحدًا أحق بالهجاء منى، ولا أدعى إلى السلامة من هجاء نفسي، فقلت:
ألا أبـلـغ إليـك أبـا دلامـة
فليس من الكرام ولا كرامة
إذا لبس العـمامـة كان قردًا
وخنزيرًا إذا نزع العمامة
جـمعت دمامة وجمعت لؤمًا
كـذاك اللـؤم تتبعه الدمامة
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا
فلا تـفرح فـقد دنت القيامة
فضحك من حوله ولم يبق منهم أحد إلا كافأه
خرج يومًا مع القائد العباسي ( روح بن حاتم المهلبي) لقتال الخوارج فقال مداعبًا لو أن سيفك هذا بيدي وفرسك الأصيلة هذه تحتي لفعلت بالأعداء ما يرضيك…
وعلى الفور استجاب القائد ونزل عن فرسه وأعطاه سيفه ودرعه وقال له تقدم للقتال. تورط أبو دلامة الذي كان يعتقد أن القائد لا يمكن أن يتنازل عن فرسه وسيفه ودرعه مقابل دعابة، وحاول أن يتملص وأن يتراجع وأن يقنع القائد بعدم جدوى ما قاله، إلا أن القائد أصر على أن يقاتل فتقدم أبو دلامة وقال:
إني استجرتك أن أقدم في الوغى
لتطاعنٍ وتـنـازلٍ وضـراب
فهب السيوف رأيتها مشهورةً
فتركتها ومضيت في الهـراب
خرج أحد الخوارج يطلب المبارزة، فطلب القائد من أبي دلامة أن يخرج إليه، إلا أن أبا دلامة تذرع بالجوع وطلب طعامًا قبل القتال، فأُعطي ((رغيفين ودجاجة)).
بدهاء وذكاء شديد، توجه نحو الخارجي وبدأ بمحاورته، مذكّرًا إياه بعدم جواز قتل من لا يقاتل، وأنه لا عداوة بينهما، بل إنه يتبنى نفس أفكاره. وبعد نقاش قصير، اقتنع الرجل وطلب من أبي دلامة الانصراف، إلا أن الأخير أصرّ على تناول الطعام معه أمام الجيشين تأكيدًا للمودة. وسط ضحكات العسكر، ليعود بعدها أبو دلامة إلى القائد قائلًا: “أما أنا فقد كفيتك قرني، فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك”. ثم أنشد قائلًا:
إنّي أَعُوذُ بِرَوحٍ أن يُقَدّمَنِي
إلى البِرازِ فَتَخزَى بي بَنُو أَسَدِ
إنّ البِرَازَ إلى الأقرَانِ أعلَمُهُ
مِمَّا يُفرِّقُ بَينَ الرُّوحِ والجَسَدِ
قَد حالَفَتكَ المَنَايَا إذ صَمَدتَ لَها
وأَصبَحتَ لِجَميعِ الخَلقِ بالرَّصَدِ
إنَّ المُهَلَّبَ حُبَّ المَوتِ أَورَثَكُم
وَمَا وَرِثتُ اختِيارَ المَوتِ عَن أحَدِ
لَو أنَّ لي مُهجَةً أُخرَى لَجُدتُ بِهَا
لكِنَّها خُلِقَت فَردًا فَلَم أجُدِ
….
هامش
2. قرامل نوع من النبات المزهر كانت النساء تزين بها شعرها، والحدافة تعني هنا مخزن للحة






