
المترجم : عدنان أحمد الحاجي
بقلم مارك شرودر، استاذ الفلسفة، كلية الأداب والفنون والعلوم، جامعة ولاية كالفورنيا في مدينة دورنسايف
لا توجد إلّا مشاعر قليلة تضاهي شعور الامتنان الصادق الصادر من أعماق القلب تجاه شخص قدّم لك معروفًا أو وقف إلى جانبك في وقت احتجت فيه إليه. فالتعبير عن الشكر بصدق، والسعي إلى رد الجميل، يُعدّان من الأسس التي تُقوّي العلاقات الإنسانية وتساعد على استمرارها.
لكن في بعض الأحيان لا تشعر باستحقاق هذا الامتنان، رغم إدراكك أنك استفدت مما فعله الآخر من أجلك. قد تعلم أن شخصًا قدّم لك مساعدة، لكنك لا تشعر بالامتنان الحقيقي تجاهه. ويُعدّ هذا أمرًا شائعًا لدى كثير من المراهقين في تعاملهم مع والديهم، كما قد يحدث أيضًا عندما يعتاد الإنسان على دعم شريك حياته أو زميله في العمل له، فيأخذ ما يقدّمانه له على أنه أمر طبيعي ومضمون أو متوقع منه أو من المُسلَّمات.
وبالمثل، إذا كان شريك حياتك يهتم بك ويقدم لك الدعم باستمرار، لكنك لم تعد تقدر ذلك أو تعبر عن امتنانك لأنك اعتدت عليه، فأنت تأخذه أمرََا مفروغََا منه.
“بالنسبة لي، حدث ذلك قبل 14 عامًا مع حماتي. فقد غيّرت حياتها بالكامل وانتقلت من ولاية ساوث داكوتا إلى كاليفورنيا لتعيش معنا في البيت، وتساعدنا في رعاية ابنتنا المولودة للتو، إذ لم يكن هناك أي خيار آخر لرعايتها يتناسب مع جداول عملنا المزدحمة، بالإضافة إلى الوقت الطويل الذي اقضيه يوميًا في التنقل بين المنزل والعمل. لذلك لم يكن من السهل الاعتماد على حضانة أو مربية بمواعيد ثابتة، ولهذا كانت مساعدة حماتي ضرورية لأنها استطاعت توفير رعاية مرنة تناسب جدول حياتنا العملية المزدحمة، وقدمت حماتي خدمة عظيمة لأسرتنا، ضحت خلالها بوقتها وتعبها تضحية كبيرة غيّرت حياتنا إلى الأفضل، ومع ذلك، في بعض الأوقات وجدت فيها صعوبة حقيقية في الشعور، كما كان ينبغي، بالامتنان تجاهها. ربما بسبب الضغوط اليومية أو كثرة الاحتكاك بها والمعيشة معها، فاعتدت على وجودها بيننا أو كنت منشغلََا عنها، ما جعل شعوري بالامتنان يضعف تدريجيََا رغم أني كنت مدركََا لحجم ما قدمته من تضحيات من أجلنا.
“منذ ذلك الحين، كرّست جزءًا كبيرًا من أبحاثي بوصفي فيلسوفًا (1) لدراسة
كيف تؤثر الطريقة التي ننظر بها إلى الأشخاص ونفسر تصرفاتهم ونفهم بها نواياهم وشخصياتهم هي التي تشكل مشاعرنا تجاههم وعلاقاتنا معهم، ولا تقتصر فقط على أفعالهم وحدها. فمثلًا، إذا فسرنا تصرف شخص على أنه نابع من اللطف والحرص، فمن المرجح أن تشعر نحوه بالمحبة والامتنان. أما إذا اعتقدنا أن التصرف نفسه كان بدافع المصلحة أو الإجبار، فقد لا تشعر بالامتنان، حتى لو استفدتنا منه (2). وقد ساعدتني هذه الأبحاث على إدراك السبب الذي جعلني أجد صعوبة في الشعور بالامتنان، كما علمتني بعض الأساليب التي يمكنني من خلالها أن أصبح أكثر امتنانًا وأحسن التعامل مع الآخرين
الامتنان لشخص بعينه
لقد وجدت أن أصعب جانب في الشعور بالامتنان هو أن يكون هذا الامتنان موجَّهًا إلى شخص. فمن السهل أن يشعر الإنسان بالامتنان لأن أمرًا جيدًا قد وقع، لكن من الأصعب أن يشعر بالامتنان لشخص محدد لأنه كان سببًا في حدوث ذلك. فهذان النوعان من الامتنان ليسا شيئًا واحدًا (3).
ومع ذلك، يشترك كلا النوعين في أنهما يتطلبان إدراك أن ما حدث كان نعمة أو كرمََا أو منفعة أسداها، كما يتطلبان الاعتراف بتواضع بأن الأمور كان يمكن أن تسير بشكل مختلف. فعلى سبيل المثال، عندما ينهي نزول المطر فترة من الجفاف، قد يشعر الملحد بالامتنان لأن شجر الطماطم لن يموت، وسيحصل في النهاية على محصول طماطم جيد في ذلك الموسم، لكنه لا يشعر بالامتنان تجاه أي أحد بسبب هطول المطر، لأنه لا يرى أن هناك شخصًا أو جهة قصدت إرسال هذا المطر إلى تلك الأرض.
الصورة: يقف كهنة هندوس داخل بحيرة عثمان ساغر على أطراف مدينة حيدر آباد في الهند، وهم يؤدون صلوات موجهة إلى فارونا (Varuna) (4)، إله المطر في الديانة الهندوسية، وذلك في 16 يوليو 2013، طلبًا لهطول الأمطار.
“يتطلب الامتنان الموجَّه لشخص أكثر مما يتطلبه الامتنان العام تجاه حدث أو ظرف. فهو يُعد مثالًا على ما يسميه الفيلسوف بيتر ستراوسون Peter Strawson «اتجاهات المشاركين (Participant Attitudes) يشير إلى مشاعر، أو معتقدات، أو تقييمات الأشخاص لشخص معين أو أشخاص معينيين»، وهو نوع من المواقف أو المشاعر التي نوجهها إلى الأشخاص لا إلى الأشياء أو الأحداث. وهذا النوع من المشاعر، مثل الامتنان، يقوم على منح الشخص التقدير واستحقاق نسبة الفضل لما قام به، أي الاعتراف بأنه هو من أسهم بإرادته في تحقيق الخير أو الفضل الذي جعلنا نشعر بالامتنان من أجله.
لكن معرفة أي الأعمال يستحق أصحابها الشكر والامتنان ليس أمرًا بسيطًا. فكما يرى بعض الفلاسفة، مثل توني مانيلا (Tony Manela) (5)، فإن الأفعال أو التصرفات التي يكون الدافع الأساس وراءها مال أو مصلحة شخصية أو شعور بعدم الأمان لا تستحق الامتنان الشخصي، حتى لو كانت نافعة لك (6). أما الأفعال أو التصرفات التي تنبع من المحبة أو الكرم أو الاهتمام بالآخرين، أو من دوافع إنسانية اجتماعية (7) تهدف إلى نفعهم، فهي التي تستحق الامتنان الحقيقي.
أحيانًا لا يشعر الناس بالامتنان لأنهم اعتادوا على وجود شخص في حياتهم ويعتبرون أن ما يقدمه أمرًا مفروغًا منه، فلا ينتبهون إلى أنه كان يستطيع بسهولة ألّا يفعل ذلك وألا يقدم ما قدم. لكن هذا لم يكن سبب صعوبة شعوري بالامتنان تجاه حماتي، فقد كان واضحًا بالنسبة لي أنها لم تكن مضطرة إلى الانتقال من ولاية أخرى لتعيش معنا وتساعدنا على تربية ابنتنا.
ومع ذلك، كان من الصعب تجاهل حقيقة أنها كانت ترغب منذ زمن طويل في العيش في ولاية كاليفورنيا. لذلك راودني شعور بأن انتقالها لم يكن من أجلنا وحدنا، بل لأنه حقق أيضًا رغبتها الشخصية. وأحيانًا يصعب علينا الشعور بالامتنان لأننا نفسر دوافع البعض بهذه الطريقة؛ فنحن ندرك أن بإمكانهم التصرف بشكل مختلف، لكننا لا نعتقد أن ما فعلوه كان بدافع الاهتمام بنا في المقام الأول
من السهل أن نفسر تصرفات الآخرين على أنها نابعة من دوافع أنانية أو مصلحة شخصية.
ولهذا قد نركز على تلك الدوافع السلبية ونتجاهل الدوافع الطيبة، ما يجعلنا أقل ميلًا للشعور بالامتنان تجاههم. أحيانًا قد تسهم الدوافع الشخصية أو غير النبيلة في دفع الإنسان إلى القيام بأعمال نافعة للآخرين. فمعلمة طفلك في مرحلة رياض الأطفال، على سبيل المثال، لا تعمل متطوعة، بل تتقاضى راتبًا مقابل عملها. وقد تكون بطبيعتها سيدة كريمة ومخلصة، لكنها على الأرجح ما كانت لتقضي وقتها في تعليم طفلك القراءة والحساب ومساعدته على مواجهة الصعوبات لو لم تكن تتقاضى راتبََا.
ومع ذلك، يبقى من المناسب أن تشعر بالامتنان تجاهها. فحصولها على راتب لا يلغي إخلاصها أو اهتمامها بالطفل، بل قد يكون هو ما يتيح لها ممارسة هذا الدور وتقديم الرعاية والعطاء. لذلك فإن الدافع المالي هنا لا يتعارض مع تضحيتها وإخلاصها، وإنما من شأن ذلك أن يساعدها على القيام به والاستمرار فيه
الصورة: قد تكون معلمة طفلك سيدة كريمة بطبيعتها، لكن وظيفتها هي التي تمنحها الفرصة لتجسيد هذا الكرم وممارسته يوميًا من خلال تعليم الأطفال ورعايتهم.”
ولا يقتصر هذا الأمر على معلمي المدارس الابتدائية، فقرارات الناس غالبًا ما تكون مدفوعة بمجموعة من العوامل، بعضها يستحق الامتنان وبعضها الآخر لا يستحقه. لذلك، إذا كنت تبحث دائمًا عن الدوافع الأنانية وراء تصرفات الآخرين، فمن المؤكد أنك ستجد بعضها. خذ شريك حياتك مثلًا؛ فقد يشتري لك باقة ورد، أو يملأ سيارتك بالبنزين، أو يقوم بغسل الأطباق بدلًا منك. قد يكون دافعه في ذلك المحبة أو الكرم أو روح التعاون، لكنه في الوقت نفسه قد يأمل أيضًا في الحصول على مقابل، مثل أن تبادله بالمثل، أو أن يتجنب انتقادك له أو إلحاحك عليه.
الأسلوب الذي تفسر بها الدافع الحقيقي وراء تصرف الشخص هي التي تحدد ما إذا كنت ستشعر بالامتنان له أم لا. فإذا اعتقدت أن ما فعله كان بدافع المحبة أو الكرم، فمن المرجح أن تشعر بالامتنان، أما إذا رأيت أن دافعه الأساسي كان وراؤه المصلحة الشخصية، فمن الصعب أن يتبلور لديك هذا الشعور.
ما المقصود بـ«الدوافع الحقيقية»؟
إن التمييز بين الدافع «الحقيقي» الذي يدفع شخصًا إلى القيام بفعل ما، وبين الدوافع الأخرى التي ساعدت على القيام به، يشبه التمييز بين السبب المباشر والظروف التي ساعدت على حدوثه (8). فمثلًا، إذا سقط كأس زجاجي من يدك وانكسر، فإن هشاشة الزجاج هي التي جعلت السقوط يؤدي إلى الكسر، لكنها ليست السبب المباشر للكسر، بل إن السقوط نفسه هو السبب، أما هشاشة الزجاج فهي مجرد عامل أدى إلى هذه النتيجة.
وفي حالة الكأس المكسور، من السهل تحديد السبب الموضوعي للكسر وما الظرف الذي ساعد فقط على الكسر. لكن التعامل مع البشر يختلف جذريًا عن فهم الأشياء المادية، لأن تفسير دوافع الناس ليس أمرًا موضوعيًا وواضحًا دائمًا، بل يعتمد على الطريقة التي نفهم بها نياتهم ونفسر تصرفاتهم (9),
انظر إلى الأمر من وجهة نظره، وحاول أن تفهم كيف يراه هو ولماذا يتصرف بهذا التصرف
انظر إلى الأمر من زاويتهم. بمعنى آخر، فالمسألة تعتمد، إلى حدٍّ ما، على طريقة النظر إليه. فإذا قدّم لك شخص معروفًا، وأنت تعلم أنه يأمل في الحصول على شيء بالمقابل، فقد تعتبر أن هذا هو دافعه الحقيقي. لكن ليس ضروريََا أن تنظر إليه بهذه الطريقة؛ إذ يمكنك أن ترى رغبته في المقابل على أنها مجرد شرط أو حافز يساعد على ظهور كرمه والاستمرار فيه (10)، وليس الدافع الأساس وراء مساعدته لك.
إن تغيير طريقة النظر إلى دوافع الآخرين ليس أمرًا سهلًا. فعندما تشك في نوايا شخص، قد يبدو لك أن تصرفه يفتقر بوضوح إلى الكرم أو الإخلاص. لكن من المفيد أن تتذكر أن معظم الناس يعتقدون أنهم يتصرفون بدافع الكرم وحسن النية. لذلك، إذا أردت أن تشعر بالامتنان تجاه شخص ما، فحاول أن تنظر إليه بالطريقة التي يرى بها نفسه، لا بالطريقة التي تفسر بها دوافعه فقط.
فإذا وجدت صعوبة في الشعور بالامتنان لشخص بسبب تصرف معين أو لأنك تشك في دوافعه، فحاول بدلًا من ذلك أن تتذكر قيمة هذا الشخص في حياتك وما تمثله علاقتكما بالنسبة لك، فتشعر بالامتنان لوجوده نفسه، حتى وإن لم تستطع أن تشعر بالامتنان التام لذلك الموقف بعينه. فالتفكير في قيمة هذه العلاقة وما تمثله بالنسبة لك يذكرك بسبب تمسكك بها منذ البداية. وأحيانًا يكون هذا كافيًا لتقول له: “شكرًا” بصدق، حتى وإن لم تشعر بامتنان تام تجاه تصرفه في تلك اللحظة.
الهوامش
1- https://markschroeder.net/bio
2- https://freeandequaljournal.org/article/id/17907/
3- https://compass.onlinelibrary.wiley.com/action/oidcStart?redirectUri=/doi/10.1111/phc3.13015
4- https://ar.wikipedia.org/wiki/فارونا
5- https://www.siena.edu/faculty-and-staff/person/tony-manela/
6- https://www.researchgate.net/publication/306145915_Gratitude_and_appreciation
7- https://www.ebsco.com/research-starters/social-sciences-and-humanities/prosocial-behavior
8- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/0010027791900478?via=ihub
9- https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691293585/when-things-get-personal
10- https://theconversation.com/im-a-philosopher-who-tries-to-see-the-best-in-others-but-i-know-there-are-limits-273446
المصدر الرئيس
https://theconversation.com/how-to-be-grateful-to-someone-even-when-you-really-dont-want-to-285311




