
زكي الجوهر
في ظل المتغيرات الاجتماعية المتسارعة، وما فرضته التقنية من أنماط جديدة للتواصل، تتجدد الدعوة إلى إعادة إحياء قيمة صلة الرحم باعتبارها أحد أهم مقومات تماسك الأسرة السعودية، ليس فقط من خلال الزيارات والمناسبات، بل عبر منظومة متكاملة تبدأ بالتواصل وتنتهي ببناء إرث عائلي مستدام ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ويقدم الإنفوجرافيك بعنوان «صلة الرحم في الأسرة السعودية.. من التواصل إلى صناعة الأثر» أنموذجًا عمليًا يوضح أن صلة الرحم ليست ممارسة واحدة، وإنما أربع مراتب متدرجة، تتكامل فيما بينها لتصنع أسرة أكثر ترابطًا ومجتمعًا أكثر تماسكًا.
وتبدأ هذه المراتب بـالتفاعل، الذي يشمل التواصل المستمر بين أفراد الأسرة، وتبادل التهاني، والسؤال عن المرضى، ومشاركة المناسبات والإنجازات، بوصفه الأساس الذي يحافظ على استمرار العلاقة بين الأقارب.
أما المرتبة الثانية فهي الحضور والمشاركة، حيث تتحول العلاقة من الرسائل والاتصالات إلى اللقاءات المباشرة عبر حضور المناسبات الأسرية، وزيارة المرضى، ومشاركة الأسرة أفراحها وأتراحها، بما يعزز الألفة ويقوي الروابط الاجتماعية.
وفي المرتبة الثالثة يأتي البذل والإحسان، الذي يجسد أسمى معاني التكافل الأسري، من خلال دعم المحتاجين، والمساهمة بالوقت أو الخبرة، ورعاية المبادرات التعليمية والاجتماعية، بما يسهم في بناء أسرة أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
وتبلغ المشاركة ذروتها في المرتبة الرابعة «بناء الأثر والاستدامة»، والتي تتجاوز المبادرات الفردية إلى العمل المؤسسي، عبر إنشاء الصناديق العائلية، والأوقاف، وتوثيق تاريخ الأسرة، ورعاية الموهوبين، وإطلاق المبادرات التنموية التي تستفيد منها الأجيال القادمة.
ونستند هنا الى مؤشرات رسمية صادرة عن الهيئة العامة للإحصاء، والتي تُظهر أن 86% من الأسر السعودية تتكون من فردين فأكثر، فيما يبلغ متوسط حجم الأسرة خمسة أفراد، وتشكل الأسر النووية نحو 70% من إجمالي الأسر، بينما تمثل الأسر الممتدة والمركبة 16%، كما أظهرت نتائج مسح العمل التطوعي أن 19% من السكان مارسوا عملاً تطوعيًا خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، وهي مؤشرات تعكس أهمية الاستثمار في العلاقات الأسرية وتعزيز ثقافة المشاركة المجتمعية.
وتتوافق هذه المبادئ مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 في بناء مجتمع حيوي يقوم على الأسرة المتماسكة، وترسيخ المسؤولية الاجتماعية، ورفع معدلات العمل التطوعي، وتنمية الأوقاف والمبادرات غير الربحية، باعتبارها ركائز تسهم في تحقيق التنمية المستدامة.
ويؤكد مختصون في الشأن الاجتماعي أن قوة المجتمع تبدأ من قوة الأسرة، وأن صلة الرحم لم تعد تقتصر على الواجبات الاجتماعية التقليدية، بل أصبحت استثمارًا في رأس المال الاجتماعي، يعزز الثقة والتعاون والانتماء، ويهيئ بيئة صحية لنمو الأجيال القادمة.
وفي ظل ما تشهده المملكة من تحول تنموي شامل، تبقى صلة الرحم قيمة أصيلة تتجدد مع الزمن، ورسالة تؤكد أن بناء مجتمع متماسك يبدأ بخطوة بسيطة من داخل الأسرة، ثم يكبر بالتواصل، ويترسخ بالمشاركة، ويزدهر بالعطاء، ويستمر بصناعة أثر يبقى للأجيال.





