
أحمد الطويل
تنويه:
هذه هي المقالة الخامسة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول كيف أسس الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام مدرسةً علمية هادئة، مهّدت للنهضة الفكرية الكبرى التي ازدهرت في عصر الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام، وحفظت علوم أهل البيت عليهم السلام للأمة.
مقدمة:
ليست كل الثورات تُقاس بما تُحدثه في يومها، بل بما تتركه في الأجيال التي تأتي بعدها.
فقد تنتصر معركة، ثم يطويها الزمن، وقد تُهزم في ظاهرها، لكنها تبقى حيّة لأنها أنجبت فكرًا، وربّت رجالًا، وصنعت وعيًا لا يموت.
ولهذا لم يكن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام ينظر إلى ما بعد كربلاء بوصفه مرحلةً لحفظ الماضي فحسب، بل بوصفها مسؤوليةً تجاه المستقبل.
فقد أعاد بناء القلب بالدعاء، وربّى الإنسان برسالة الحقوق، لكنه كان يعلم أن الرسالة لن تبقى حيّة إذا لم تجد من يحمل علمها، ويفهم مقاصدها، وينقلها إلى الأجيال.
فالأمم لا يحفظها السيف وحده، كما لا يحفظها البكاء وحده، وإنما يحفظها العلم حين يتحول إلى رسالة، والعالم حين يصبح أمينًا على الحقيقة.
ومن هنا بدأ الإمام زين العابدين عليه السلام، في صمتٍ بعيدٍ عن ضجيج السلطة، ببناء مدرسةٍ لم يكن أثرها ظاهرًا في زمانه، لكنها كانت الأساس الذي قامت عليه أعظم نهضة علمية عرفها تاريخ أهل البيت عليهم السلام.
ولذلك لم يكن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام بداية هذا المشروع، بل كانا ثمرةً لشجرةٍ غرس جذورها الإمام زين العابدين عليه السلام، وسقاها بالصبر، والتربية، وإعداد الرجال.
ومن هنا نفهم أن حفظ كربلاء لم يكن بالكلمة وحدها، ولا بالأخلاق وحدها، وإنما بالعلم أيضًا؛ لأن الرسالة التي لا تُورَّث علمًا، قد تبقى ذكرى، لكنها لا تبقى منهجًا.
حين أصبح العلم وسيلةً لحفظ الرسالة
لم يكن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يعيش في مرحلةٍ تسمح له بإعلان مشروعٍ علمي واسع كما حدث في زمن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام.
فالسلطة الأموية، بعد كربلاء، لم تكن تخشى السلاح وحده، بل كانت تخشى الكلمة، وتراقب كل حركةٍ يمكن أن تعيد للأمة وعيها أو تربطها بأهل البيت عليهم السلام.
ولهذا كان الإمام يدرك أن المرحلة ليست مرحلة مواجهةٍ علنية، وإنما مرحلة إعدادٍ طويل، يُبنى فيها الإنسان قبل أن يُبنى المشروع، ويُحفظ فيها العلم قبل أن يُنشر على نطاقٍ واسع.
وكان يعلم أن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمة بعد فقدان القيادة الصالحة، ليس فقدان القوة وحده، بل فقدان الفهم الصحيح للدين.
فإذا ضاع العلم، ضاعت معالم الرسالة، وأصبح الناس أسرى لما تفرضه السلطة من مفاهيم، أو لما يشيعه الجهل من انحرافات.
ومن هنا لم يكن اهتمام الإمام بالعلم ترفًا فكريًا، ولا انشغالًا بقضاياٍ بعيدةٍ عن واقع الأمة، بل كان جزءًا من مشروع حفظ الإسلام نفسه.
فالرسالة التي حُفظت بدم الإمام الحسين عليه السلام، لا يمكن أن تستمر إذا لم تجد من يحفظ معانيها، ويفسر تعاليمها، ويورثها للأجيال كما أرادها رسول الله صلى الله عليه وآله.
ولهذا بدأ الإمام السجاد عليه السلام يعمل بهدوء، بعيدًا عن ضجيج السياسة، على تكوين نواةٍ من الرجال الذين يجمعون بين العلم، والإيمان، والولاء، ليكونوا أمناء على تراث أهل البيت عليهم السلام.
ولم يكن هدفه أن يكثر التلامذة، بقدر ما كان يريد أن يصنع رجالًا يحملون العلم بوصفه رسالة، لا وسيلةً للمكانة أو الجدل.
فالعلم، في مدرسة الإمام، لم يكن معلوماتٍ تُحفظ، وإنما مسؤوليةٌ تُؤدَّى، وهدايةٌ تُنقل، وأمانةٌ يجب أن تبقى نقيةً كما خرجت من معدن النبوة.
ومن هنا يمكن القول إن الإمام زين العابدين عليه السلام لم يؤسس مدرسةً بالمعنى التقليدي، بل أسس منهجًا في صناعة العالم الرسالي، وهو المنهج الذي أثمر بعد سنواتٍ قليلة تلك النهضة العلمية الكبرى التي ازدهرت في عصر الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام.
من تربية الفرد إلى صناعة العلماء
لم يكن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يملك جامعةً بالمعنى المعروف، ولا كانت لديه حرية إقامة حلقاتٍ علميةٍ واسعة كما تيسّر لابنه الإمام محمد الباقر عليه السلام من بعده.
لكن المدرسة لا تُقاس بجدرانها، وإنما بالرجال الذين تُخرجهم، وبالفكر الذي تغرسه، وبالرسالة التي تحفظها.
ولهذا بدأ الإمام مشروعه من الإنسان نفسه.
فكما ربّى القلوب بالدعاء، وربّى السلوك برسالة الحقوق، أخذ يربي العقول على الفهم الصحيح للإسلام، ويغرس في خواص أصحابه علوم أهل البيت عليهم السلام، بعيدًا عن أعين السلطة التي كانت تراقب كل تجمع، وتخشى كل صوتٍ يلتف الناس حوله.
ولم يكن الإمام يهدف إلى نشر أكبر قدرٍ من المعلومات، بل إلى صناعة رجالٍ يحملون العلم بأمانة، ويفرقون بين الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله، وبين ما حاولت السياسة أن تضفيه على الدين من مفاهيم تخدم سلطانها.
ولهذا كانت التربية في مدرسة الإمام تقوم على ثلاثة أركان متلازمة: صفاء العقيدة، وسمو الأخلاق، ودقة الفهم. فلم يكن العلم منفصلًا عن التقوى، ولا المعرفة بعيدةً عن العمل، بل كان العالم في نظر الإمام هو من يجسد ما يعلم قبل أن يعلّمه للناس.
ومن هنا نشأ جيلٌ من الرواة والفقهاء الذين تلقوا علوم الإمام السجاد عليه السلام مباشرة، وحملوا عنه الحديث، والفقه، والتفسير، والدعاء، وسائر معارف أهل البيت عليهم السلام. ولم يكن أثر هؤلاء ظاهرًا في زمانهم فحسب، بل أصبحوا الجسر الذي عبرت من خلاله علوم الإمام إلى عصر الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام.
ولهذا لم تبدأ النهضة العلمية الكبرى فجأةً في زمن الإمام الباقر عليه السلام، كما قد يتصور البعض، وإنما كانت ثمرة إعدادٍ طويل بدأ في بيت الإمام زين العابدين عليه السلام، حيث تكوّنت النواة الأولى، وتربى الرجال الذين أصبحوا فيما بعد أعمدة تلك النهضة.
وهكذا كان الإمام السجاد عليه السلام يعمل بصمت، لكن ذلك الصمت كان يصنع مستقبلًا. فبينما كانت السلطة تنشغل بتثبيت أركان حكمها، كان الإمام يثبت أركان مدرسةٍ بقي أثرها قرونًا، لأن السلطان قد يحكم زمنًا، أما العلم الصادق فيحكم العقول جيلاً بعد جيل.
كيف صنع الإمام جيل الرسالة؟
إذا كانت الصحيفة السجادية قد أعادت بناء القلب، وكانت رسالة الحقوق قد أعادت بناء الإنسان في علاقته بربه ونفسه ومجتمعه، فإن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام أدرك أن هذا البناء لن يبقى بعد جيلٍ واحد، ما لم يُحمل إلى الأمة بعلماءٍ ربانيين يحفظونه وينقلونه.
ولهذا لم يكن مشروع الإمام بعد كربلاء مشروع إصلاحٍ فردي فحسب، بل كان إعدادًا لجيلٍ يحمل الرسالة، ويصون معارف أهل البيت عليهم السلام من الضياع والتحريف.
ولم يكن هذا اجتهادًا سياسيًا فرضته الظروف، بل هو امتداد للهدي القرآني الذي جعل بقاء الدين مرهونًا بوجود من يتفقه فيه ويعلّمه للناس، قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، (سورة التوبة: 122).
فالآية لا تتحدث عن طلب العلم بوصفه فضيلةً شخصية، وإنما بوصفه مسؤوليةً تحفظ الدين، وتربط التفقه بالإنذار والهداية وصيانة الأمة.
وهذا بالضبط ما قام به الإمام زين العابدين عليه السلام. فقد كان يعلم أن السلطة الأموية استطاعت أن تفرض هيمنتها السياسية، لكنها لم تستطع أن تمتلك العلم الإلهي الذي أودعه رسول الله صلى الله عليه وآله في أهل بيته عليهم السلام. ولذلك اتجه الإمام إلى بناء رجالٍ يحملون هذا العلم، ليبقى الإسلام المحمدي الأصيل حاضرًا في الأمة، مهما اشتدت محاولات التزييف.
ومن هنا لم يكن الإمام يكتفي بتعليم الأحكام، بل كان يربي العقول على الفهم الصحيح للدين، ويغرس في نفوس تلامذته روح المسؤولية تجاه الرسالة، حتى يصبح العلم أمانةً لا وسيلةً للمكانة أو الشهرة.
وقد عبّر الإمام الصادق عليه السلام عن منزلة هؤلاء الذين يحملون العلم بقوله: “العلماء ورثة الأنبياء، وذلك أن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورَّثوا أحاديث من أحاديثهم، فمن أخذ بشيءٍ منها فقد أخذ حظًا وافرًا”.
ولم يكن الإمام زين العابدين عليه السلام يريد مجرد كثرة الرواة، وإنما كان يريد ورثةً حقيقيين للرسالة: يحملون علمها، ويجسدون أخلاقها، ويبلغونها كما أرادها رسول الله صلى الله عليه وآله.
وهنا تتجلى حكمةٌ أخرى من بقاء الإمام بعد عاشوراء؛ فلو انتهى خط الإمامة يوم كربلاء، لضاعت مرحلة إعداد هذا الجيل، ولما تهيأت الأرضية العلمية التي ستبلغ أوجها في عصر الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، حيث ستتحول تلك البذور التي زرعها الإمام السجاد إلى مدرسةٍ علمية كبرى أغنت الأمة بالفقه، والتفسير، والعقيدة، والأخلاق.
غير أن هذا الجيل لم يكن فكرةً نظرية، ولا مجرد عنوانٍ في مشروع الإمام، بل كان رجالًا صنعهم الإمام زين العابدين عليه السلام في أصعب الظروف، حتى أصبح كل واحدٍ منهم حلقةً في حفظ علوم أهل البيت عليهم السلام ونقلها إلى الأمة.
ومن خلال التعرف إلى هؤلاء التلامذة تتجلى بصورة أوضح ثمرة المشروع العلمي الذي أسسه الإمام، وكيف تحولت مدرسته الهادئة إلى النواة التي قامت عليها النهضة العلمية الكبرى في عصر الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام.
رجالٌ حملوا الرسالة
لم يكن المشروع العلمي للإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام يقاس بعدد من حضر مجلسه، وإنما بمن استطاع أن يصنعه من رجالٍ حملوا العلم، وجسدوا التقوى، وأدوا الرسالة في زمنٍ كانت الكلمة الصادقة فيه قد تكلّف صاحبها حياته.
وقد أشار القرآن الكريم إلى أن بقاء الهداية في الأمة لا يتحقق بالعلم المجرد، وإنما برجالٍ يجمعون بين التفقه والبلاغ، فقال تعالى ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾، (سورة الأحزاب: 39).
وهؤلاء هم الذين عمل الإمام على إعدادهم؛ فلم يكن يريد حفاظًا للنصوص فحسب، بل رجالًا يحملون الرسالة بعلمهم وسلوكهم وثباتهم.
ومن أبرز هؤلاء أبو حمزة الثمالي، الذي لازم الإمام زين العابدين عليه السلام، وروى عنه الدعاء، والحديث، والمعرفة، حتى أصبح من أوثق رواة مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وبقي اسمه مقرونًا بدعاء السحر المشهور الذي ورثته الأجيال عن الإمام.
ومنهم يحيى بن أم الطويل، الذي لم يكن مجرد راوٍ، بل كان نموذجًا للشجاعة في إعلان الولاء لأهل البيت عليهم السلام في زمنٍ كان مجرد التصريح بذلك يعرّض صاحبه للقتل. وقد بقي ثابتًا على موقفه حتى استشهد، فكان شاهدًا على أن الإمام لم يصنع علماء فحسب، بل صنع رجال مبدأ.
ومنهم كذلك سعيد بن جبير، الذي كان من كبار علماء عصره، وقد نهل من مدرسة أهل البيت، واشتهر بعلمه وورعه، حتى انتهت حياته شهيدًا على يد الحجاج بن يوسف، بعد أن ضرب أروع صور الثبات أمام الظلم.
وهذه النماذج تكشف أن مدرسة الإمام زين العابدين عليه السلام لم تكن مدرسة تلقين، وإنما مدرسة تربية؛ فقد خرج منها الراوي، والفقيه، والعابد، والمجاهد بالكلمة، وكلهم اجتمعوا على حفظ الإسلام الأصيل الذي أراد بنو أمية أن يطمسوا معالمه.
ولم يكن الإمام يكثر أتباعه بالعدد، بل كان يبنيهم بالعمق؛ لأن الرسالة لا يحفظها كثرة الأسماء، وإنما يحفظها صدق الرجال.
ولهذا روي عن الإمام الصادق عليه السلام:
“كونوا دعاةً للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإن ذلك داعية”.
ورغم أن هذه الكلمة صدرت عن الإمام الصادق عليه السلام، فإنها تصف بدقة المنهج الذي سار عليه آباؤه عليهم السلام، وفي مقدمتهم الإمام زين العابدين، الذي كان يعلم أن العالم لا يكون حجةً بعلمه وحده، بل بما يجسده من أخلاق ذلك العلم.
وهكذا بدأت ملامح المدرسة العلمية التي أسسها الإمام تتضح؛ مدرسةٌ لا تقف عند حدود الرواية، وإنما تصنع الإنسان الذي يحمل العلم أمانةً، ويبلغه للأمة كما تلقاه، ليكون ذلك الأساس الذي ستقوم عليه النهضة العلمية الكبرى في عصر الإمامين محمد الباقر وجعفر الصادق عليهما السلام.
حين بدأت الثمرة تؤتي أُكلها
لم يكن المشروع الذي بناه الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام مشروعًا يُنتظر أن يؤتي ثماره في حياته وحدها، بل كان غرسًا بعيد المدى، أُريد له أن يبقى وينمو حتى يحمل الرسالة إلى الأجيال اللاحقة.
وهذه سنةٌ قرآنية جارية؛ فالله سبحانه لا يجعل أعمال المصلحين مقصورة على أعمارهم، بل يهيئ لها من يكملها بعدهم، كما قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾، (سورة الحشر: 10).
فالرسالات لا تُبنى بجيلٍ واحد، وإنما تتعاقب فيها الأجيال، يحمل اللاحق ما أسسه السابق، حتى يكتمل البناء.
ولهذا، حين انتقلت الإمامة إلى الإمام محمد الباقر عليه السلام، لم يبدأ من فراغ، ولم يكن مضطرًا إلى إعادة تأسيس كل شيء من جديد، بل وجد قاعدةً علميةً وإيمانيةً كان الإمام السجاد عليه السلام قد أعدّها بصبرٍ وحكمة، رغم ظروف القمع والمراقبة.
لقد كان المجتمع الإسلامي قد بدأ يستعيد شيئًا من توازنه بعد العقود العصيبة التي أعقبت كربلاء، وكانت البذور التي غرسها الإمام السجاد قد أثمرت رجالًا، وأوجدت بيئةً تتعطش إلى العلم الصحيح، بعد أن أنهكتها الفتن والانقسامات.
وهنا جاءت مرحلة الإمام الباقر عليه السلام لتفتح بابًا جديدًا؛ فلم يعد الهم الأول هو حماية أصل الرسالة من الضياع، كما كان بعد عاشوراء، بل أصبح نشر علومها وتوسيع دائرتها بين الأمة.
ولم تكن هذه المدرسة تنقل آراءً شخصية أو اجتهاداتٍ منفصلة، بل كانت تحمل العلم الإلهي المتوارث في بيت النبوة، جيلاً بعد جيل. ولهذا قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وحديث رسول الله قول الله عز وجل”.
وهكذا كانت مدرسة الإمام زين العابدين عليه السلام تُعدّ الأرضية التي حفظت هذا الامتداد العلمي، حتى تسلّمه الإمام الباقر عليه السلام، ثم ازدهر في عصر الإمام الصادق عليه السلام.
فهذه الرواية لا تؤكد اتصال السند العلمي فحسب، بل تكشف أن المشروع واحد، وأن كل إمام كان يكمل ما بدأه الإمام الذي سبقه، حتى بقيت علوم أهل البيت عليهم السلام متصلةً بمصدرها الأصيل.
ولو لم يُبقِ الله الإمام زين العابدين عليه السلام بعد كربلاء، لما وُجدت هذه الأرضية التي قامت عليها النهضة العلمية في عصر الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام. فالإمام السجاد هو الذي أعاد بناء الإنسان، وربّى النواة الأولى، وربط القلوب بالوحي من جديد، ثم جاء الإمام الباقر ليوسع هذا البناء، حتى تحولت تلك النواة إلى مدرسةٍ علميةٍ معروفة، يقصدها طلاب المعرفة من مختلف الأمصار.
وهكذا تتضح الحكمة الإلهية في بقاء الإمام زين العابدين عليه السلام؛ فلم يكن بقاؤه مجرد امتدادٍ زمني للإمامة، بل كان تأسيسًا للمرحلة التي ستشهد أعظم نهضة علمية في تاريخ مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
ومن هنا، فإن الحديث عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام لا يمكن فصله عن الإمام السجاد؛ لأن الثمرة لا تنبت من غير غرس، ولا يزهر البناء من غير أساس. وما أنشأه الإمامان من جامعةٍ علميةٍ كبرى، إنما كان امتدادًا لذلك المشروع الذي بدأ في المدينة، بعد أن هدأت سيوف كربلاء، لكن بقي صوتها حيًا في مدرسة الإمام زين العابدين عليه السلام.
ويبقى السؤال
لم يكن الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام الناجي الوحيد من كربلاء، بل كان البقية التي شاءها الله لتبقى؛ لأن الرسالة التي حُفظت بدم الإمام الحسين عليه السلام كانت تحتاج إلى من يحفظها في العقول والقلوب، ويهيئ لها رجالًا يحملونها إلى المستقبل.
فإذا كانت عاشوراء قد صنعت يقظة الأمة، فإن الإمام السجاد عليه السلام صنع الوعي الذي يحفظ تلك اليقظة من أن تنطفئ، وبنى الإنسان الذي يستطيع أن يحملها، ثم أرسى الأساس العلمي الذي قامت عليه نهضة الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام.
ومن هنا نفهم أن بقاء الإمام لم يكن حدثًا فرضته ظروف كربلاء، بل كان جزءًا من الحكمة الإلهية في استمرار خط الإمامة؛ فكل مرحلةٍ كان لها إمامها، وكل إمامٍ أدى الدور الذي اقتضته تلك المرحلة.
لقد حفظ الإمام الحسين عليه السلام الدين بالتضحية، وحفظ الإمام زين العابدين عليه السلام الإنسان بالتربية، ثم حفظ المدرسة بالعلم، حتى أصبحت بعد سنواتٍ منارةً يقصدها طلاب المعرفة من كل صوب.
وهكذا أثبت الإمام السجاد عليه السلام أن بناء الأمم لا يكون بالسيف وحده، بل يبدأ ببناء الإنسان؛ لأن الإنسان إذا صلح، حمل الرسالة، وإذا حمل الرسالة، بقيت حيةً مهما تغيرت الظروف.
غير أن هذه المدرسة، التي غرس الإمام زين العابدين عليه السلام بذورها، لم تبلغ ذروة عطائها في حياته، بل كانت تمهد لمرحلةٍ جديدة، سيُفتح فيها باب العلم على مصراعيه، وتتحول تلك البذور إلى أعظم نهضةٍ علمية عرفها تاريخ أهل البيت عليهم السلام.
فكيف استطاع الإمام محمد الباقر عليه السلام أن يحول هذا الأساس المتين إلى جامعةٍ علميةٍ غيّرت مسار الفكر الإسلامي؟ وكيف بدأت مرحلة نشر علوم أهل البيت عليهم السلام على نطاقٍ غير مسبوق؟
ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.





