
السيد فاضل آل درويش
التصور الخاطيء بأن بعد البلاء والمصائب سيخرج الفرد ثوبًا باليًا وممزّقًا وقد وصل إلى نهاية الطريق، هو أمر خاطيء يغفل عن سبب هذه النظر السلبية وهو اقتصار الحديث فيها على أصحاب الإرادات الضعيفة ممن ينهارون سريعًا، ويتخلّون عن مسؤوليتهم وينسحبون نحو القرارات المتهورة أو البقاء في دائرة الحيرة وتكبيل اليدين، ولكن مدرسة الدعاء في الصحيفة السجادية ترى في الإنسان إشراقًا وتقدّمًا بعد محطات البلاء والأزمات، وذلك إذا أحسن المرء توظيف قدراته في الاستفادة من تلك التجربة والخروج منها بالدروس والعِبر، فعلى مستوى العلاقة بالله تعالى والقرب منه قد يرتكب الإنسان من الذنوب والخطايا ما يخرجه عن سحائب الرحمة الإلهية، ولكن لا يعني ذلك اليأس والقنوط بل يعمل جاهدًا على معالجة ذلك الخطأ والخطيئة، فيتجلّى منه التوبة وضياء مصابيح الهداية والخوف من الله تعالى واستذكار يوم الحساب والعدالة الإلهية في الآخرة، وتلك الدموع التي يسكبها على نفسه وجهالته وغفلته عندما تعرّض للسخط والعقوبة الإلهية، قد تتحوّل إلى ينابيع الحكمة والبصيرة والحذر ويقظة الضمير، وذلك الانكسار والخواء الروحي تنبلج منه ولادة إيمانية جديدة بلبس ثوب الورع عن محارم الله تعالى والاستقامة.
ويتصوّر البعض أن الانتصار يتحقق بالتغلب على الأعداء الخارجيين و انكسار شوكتهم وإسقاط رايتهم، ولكن المضامين العالية في الصحيفة السجادية تشير إلى أن أعظم الانتصارات تكون بالانتصار على النفس، والتمكّن من تهذيب أهوائها ونزواتها و ضبط إيقاع خطواته وكل ما يصدر منه وفق مبدأ المسؤولية وترقب الآثار الناجمة عنها، ويتجلّى ذلك الانتصار حين الوقوع في أزمة أو شدة من خلال رفض الاستسلام وتقبّل ذلك الواقع دون حِراك أو معالجة ممكنة، نعم تحمل الجراح والآلام والزحف بها نحو طريق المعالجة والحل هو الانتصار الحقيقي.
فعلى مستوى العلاقة بالله تعالى فإن تحويل أنين الذنب وصوت الاستغفار إلى ومضة تحذيرية وعزم نحو التغيير الإيجابي هو الانتصار الحقيقي، فمن استطاع أن يحول محنته إلى طريق نحو المعرفة والرضا الإلهي بعد التوبة والإنابة إليه عز وجل، فقد حقق نصرا لا تهزمه الأيام ولا تُطفيء نوره المحن؛ لأنه انتصار يبقى أثره في الدنيا متجليا في قوة نفسه وضبط خطاها وانفعالاتها، وثوابه في الآخرة يبرز هناك حيث يُكافأ على استقامته في الدنيا.
ولذلك عند مطالعة أدعية الصحيفة السجادية وما تحمله من مضامين تدعو إلى النجاة من الشدائد والمحن، من خلال الثقة بالتدبير الإلهي والرضا بقضائه والثقة والرجاء بنحو عملي، حيث يعمل المرء جاهدًا على القيام بالواجبات الملقاة على عاتقه وطلب التوفيق الإلهي لتلك المساعي، ولذلك لم يكن الدعاء عند الإمام السجاد (ع) هروبًا من الواقع وانسحابًا من الحياة العملية، وإنما هو وسيلة لإعادة بناء النفس حتى تواجه الواقع بقلب أقوى وإيمان أرسخ ، فكلما ازداد العبد معرفة بالله تعالى ازداد اطمئنانًا بقضائه وتدبيره؛ لأن المعرفة الصحيحة تلد الرضا والراحة النفسية مهما علت أمواج عواصف الأزمات العاتية.





