أقلام

بائع الكتب بين القيمة والقِيَم

عبدالله الرستم

تكمنُ ممارسة بيع أيِّة سِلعةٍ إلى معايير معينة، تفرضها طبيعة البضاعة المعروضة وقِيَمِها، علمًا أن القِيَم من المفترض توافرها في البائع مهما كانت البضاعة، فبائع الغَنَم والوردِ لا يختلف في دوره عن بائع الكُتُبِ والمواد الخرسانية؛ لأن قِيَم البائع لا علاقة لها بنوع البضاعة؛ إلا أن الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون وضعوا معايير غير حقيقية على بائعي بعض المنتجات والبضائع وإن اتّسم بها بعضهم، فالتحايل والغِشُّ في تسويق بعض المنتجات مرفوضٌ مهما كانت البضاعة؛ لأن القِيَم الواجب توافرها في البائع حريٌ أن تكون لدى كل شخص، والتي منها: (الصدق، عدم الغش، احترام المواعيد، تقدير المشتري أو العميل، جودة البضاعة وسلامتها … إلخ)، ولا بأس أن يختلفوا في القيمة كما يحصل في أية بضاعة من المماكسة في السِّعْرِ وما يتعلق بأحكام البيع العُرفية والقانونية والشرعية.

وعطفًا على ذلك، فإنه وبحكم تركيزي على هذا الجانب منذ سنوات مَضَت على مسألة سلوك البائع والمشتري، كنتُ أرى جميع الأصناف والممارسات الجيدة ونقيضها، فكما يتواجد بائع غشّاش فإنه يوجد مشترٍ مراوغ، وكما يوجد بائع غير صادق فإنه في المقابل يوجد مشترٍ يمارس التحايل في أداء الثمن والسداد ونحو ذلك. في حين أن بعض المنتجات المعروضة للبيع يُفترض فيها انعكاس ثقافة معينة، والتي منها محل حديثي (بيع الكتب)؛ نظرًا لانصراف الذهن إلى أن بائع الكتب إنسانٌ مثقّف محبٌ للعلم والاطلاع، وأن الاطلاع والثقافة يحجبانه عن النزول إلى مستوىً غير مقبول في طُرق البيع غير المرغوب فيها.

ولي أن أشير إلى بعض ما رأيته من سلوكٍ غير محمود لدى (بعض) بائعي الكُتب، وهذا خاضعٌ لترددي وتواصلي مع بعضهم في هذا الشأن لمدة عقودٍ من الزمن، وذلك وفق الأمثلة التالية:

(1) الحجز: دخلتُ ذات مرة مكتبة، ورأيتُ كتابًا معروضًا فحجزته وعند دفع الثمن رفض البائع بيع الكتاب!! -وكانت تربطني به علاقة أكثر من جيدة- وطلبتُ منه سبب الرفض فلم يبلغني!! فغادرتُ المكتبة وفي النفس شيءٌ، إلا أني وجدتُ الكتاب في مكتبة أخرى خلال أيّام.

(2) المواعيد: يقوم بعض بائعي الكتب بإعطاء مواعيدَ لطالبي بعض عناوين الكتب، سواءً عن طريق التفاهم الهاتفي أو عن طريق متجر أو عن طريق مكتبة قائمة، وحال توفر الكتاب فإن البائع يقوم ببيعه على أقرب مشتري أو يماطل، أو يرجئ صاحب الطلب الأول إلى بعد حين.

(3) السعر: يرفع البعض أسعار الكتب مستنداً على بعض الحجج التي قد يكون صادقًا فيها أو بغرض التسويق، مثل: (الندرة، قيمة المحتوى، اسم المؤلف أو المحقق، المنع، نوع الطباعة …إلخ)، في حين أن كثيرًا من الكتب متاحةٌ ومتوافرةٌ، وإنما يستخدم هذا الأسلوب من البيع إمّا بغرض الربح السريع، أو لجهل البائع والمشتري بالأسعار، أو بالمعايير المذكورة سَلَفًا، أو لأسباب أخرى قد يكون البائع معذورًا فيها وقد لا يكون كذلك.

(4) طريقة الحديث: كما أسلفتُ القول بأنه يُفترض من بائع الكتب وخصوصًا إذا كان من أصحاب الثقافة والاطلاع، أن يكون أسلوب حديثه أرقى من غيره الذين دخلوا سوق الكتب من أجل التكسّب وليس لأي شيءٍ آخر، وأن ينأى بنفسه عن استخدام الأساليب المبتذلة التي يمجّها الذوق العام، والتي منها النقاط المذكورة.

(5) التجاهل: لاحظتُ شريحة ليست بالقليلة في مسألة تجاهل بائع الكتب لزبائنه؛ إما بعدم الرد على الجوال أو رسائل الواتساب أو عدم الشحن السريع إذا كان عن طريق متجر أو تأجيل محاسبته وقبض الثمن إذا كان في مكتبة أو غير ذلك، وهذا خاضعٌ لعدة أسباب، إما لوجود معرفة بين الطرفين فتكون ضريبة المعرفة التجاهل أو التأجيل، أو لشعور البائع بأن لديه زبائناً كُثُر فلا يكترث لأحد، أو لأسباب أخرى.

(6) تسديد الحقوق: بعض المكتبات وأصحاب المتاجر وبائعي الكتب يتغافلون وربما يتعمّدون عدم إعطاء المؤلفين حقوقهم المادية والعكس، خصوصًا إذا مضى وقتٌ على تسليم الكتب من أجل البيع ونسي المؤلف أو انشغل، سواءً بوجود اتفاقية بينهما أو بدونها، فإن أحد الطرفين يكون ضحية لهذا الموقف؛ بل إن بعض المؤلفين يقولون أنهم لم يقبضوا ثمنًا من البائع، مما يجعل البائع يطلب السماح من المؤلف دون أن يعوِّضَه أي شيء، نتيجة عدم وجود مستند بينهما أو استغلالًا لخُلق المؤلف أو لأسباب أخرى.

ختامًا: الحديث في هذا الأمر طويل لا تكفيه هذه السطور، وما ذكرته غيضٌ من فيض، وابتعدتُ عن ذكر الشواهد حتى لا يتم إسقاطها على موقفٍ حصل بيني وبين أي شخص ممن يقرأ هذه السطور الذين يمارسون بيع الكتب، وإن أسقطها شخصٌ على نفسه واستشاط غضباً منّي فهذا شأنه لأني لم أذكر موقفًا أو اسمًا بعينه، إنما ذكرتُ ذلك نظراً لكثرة الذين يبثّون شكاواهم حينما يدور الحديث في شؤون الكتب، إضافة على ذلك أن كثيرًا مما ذكرته حصل معي ومع غيري من محبي القراءة والكتاب، وأن شريحة كبيرة من بائعي الكتب تعجز الكلمات عن وصف أخلاقهم وسلوكهم ورقيِّهم في عدم انطباق أيِّ شيءٍ مما ذُكر، ولا تزال المعاناة مستمرة عند البائع والمشتري سواءً في مجال بيع الكتب أو غيرها من المنتجات، والتي أسأل الله عز وجل أن يركّز كل بائعٍ ومشترٍ على قِيَم البيع وثقافته وليس قيمته فقط؛ وذلك لنساهم في الحفاظ على العلاقات التي صنعها الكتاب أو المنتجات الأخرى، وعدم كساد هذا الأمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds