
أحمد الطويل
تنويه:
هذه هي المقالة الثالثة عشرة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول بداية إمامة الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام، وكيف واجهت الأمة أول تجربة لإمامٍ في سنٍ مبكرة، وما كشفته تلك المرحلة من حقيقة الإمامة في مدرسة أهل البيت عليهم السلام.
مقدمة:
شكّل استشهاد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام نهاية مرحلةٍ عظيمة من تاريخ الإمامة، ولكنها في الوقت نفسه فتحت بابًا لامتحانٍ لم تعرفه الأمة من قبل.
فقد انتقلت الإمامة إلى ابنه محمد الجواد عليه السلام، وهو ما يزال في سنٍ مبكرة، حتى وجد كثيرٌ من الناس أنفسهم أمام سؤالٍ لم يكن مطروحًا في الأزمنة السابقة: كيف يكون هذا الغلام إمامًا للأمة، ومرجعًا في دينها، وحجةً لله على عباده؟
ولم يكن هذا السؤال وليد الاستغراب البشري وحده، بل وجد فيه خصوم أهل البيت عليهم السلام فرصةً لإثارة الشكوك، كما وجد فيه بعض المترددين من الشيعة ابتلاءً جديدًا بعد سنواتٍ من الفتن والانقسامات. فالإمامة التي واجهت السجون، ثم واجهت الاحتواء السياسي، ثم انتصرت في ميدان الفكر، أصبحت الآن تواجه اختبارًا من نوعٍ آخر؛ اختبار العمر.
غير أن مدرسة أهل البيت عليهم السلام لم تكن ترى الإمامة منصبًا يكتسبه الإنسان بكثرة التجارب أو بتقدم السن، وإنما عهدًا إلهيًا، يُؤتي الله فيه الحكمة والعلم لمن اصطفاه، كما آتى يحيى الحكم صبيًا، وجعل عيسى عليه السلام نبيًا وهو في المهد.
ومن هنا بدأت مرحلةٌ جديدة من “الصوت الذي بقي”، مرحلةٌ أثبت فيها الإمام الجواد عليه السلام أن الإمامة ليست مسألة عمر، بل مسألة علمٍ إلهي، وأن الحجة إذا اصطفاها الله، لم يحتج الناس إلى أن يسألوا عن عدد سنيها، بل عن نور علمها.
حين بدأ الامتحان
لم يكن استشهاد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام نهاية مرحلةٍ فحسب، بل كان بداية امتحانٍ جديد للأمة.
فقد اعتاد الناس أن يروا الإمام رجلًا بلغ من العمر ما يجعله موضع ثقةٍ في أعينهم، حتى وإن كانت الإمامة في حقيقتها لا تُكتسب بالسن، وإنما بالاصطفاء الإلهي. أما هذه المرة، فقد انتقلت الإمامة إلى الإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام، وهو ما يزال في مقتبل العمر، فوجد كثيرٌ من الناس أنفسهم أمام أمرٍ لم يألفوه من قبل.
وكان هذا الحدث فرصةً استغلها خصوم أهل البيت عليهم السلام لإثارة الشبهات، كما أثار القلق عند بعض الشيعة الذين لم يشهدوا مثل هذه التجربة من قبل. فالسؤال لم يكن عن فضل الإمام أو نسبه، وإنما عن عمره: كيف يكون غلامٌ إمامًا للأمة، ومرجعًا في دينها، وحجةً لله على خلقه؟
لكن هذا السؤال كان في حقيقته يعكس نظرةً بشريةً إلى الإمامة، لا حقيقتها التي أرادها الله تعالى. فالناس يقيسون القيادة بما يرونه من تجارب السنين، أما الإمامة فهي منصبٌ إلهي، يقوم على العلم والعصمة والهداية، لا على عدد الأعوام.
ولهذا لم تكن هذه أول مرةٍ يجعل الله فيها صغر السن موضعًا لظهور الحجة. فقد أخبر القرآن الكريم عن يحيى عليه السلام بقوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾،(مريم: 12).
كما أخبر عن عيسى عليه السلام أنه تكلم في المهد نبيًا، فقال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾، (مريم: 30).
فإذا كان الله سبحانه قد منح النبوة لبعض أنبيائه في سنٍ مبكرة، فما الذي يمنع أن يمنح الإمامة لحججه متى شاء؟
ومن هنا بدأت الأمة تدرك أن الامتحان الحقيقي لم يكن في صغر سن الإمام الجواد عليه السلام، بل في استعداد الناس للتسليم لما اختاره الله، وعدم إخضاع المقاييس الإلهية للتصورات البشرية.
حين أجاب العلم عن العمر
لم يطل الوقت حتى بدأ السؤال الذي تردد في الأذهان يجد جوابه في الواقع.
فلم يكن الإمام محمد الجواد عليه السلام بحاجة إلى أن يدافع عن إمامته بكثرة الكلام، ولا أن يطلب من الناس تصديقه لمجرد انتسابه إلى أهل البيت عليهم السلام، وإنما ترك العلم يتحدث عنه، كما فعل آباؤه من قبل.
وكانت المجالس العلمية آنذاك تمثل ميدانًا حقيقيًا لقياس مكانة العلماء، إذ يجتمع فيها الفقهاء والمتكلمون، وتُطرح أعقد المسائل الفقهية والعقدية، ويُعرف فيها صاحب الحجة من صاحب الدعوى.
وقد ظن كثيرون أن حداثة سن الإمام ستكون عائقًا أمامه في مثل هذه المجالس، وأن كبار العلماء سيعجزونه بالأسئلة، فينكشف للناس أن الإمامة لا يمكن أن تكون لطفلٍ لم يكتمل عمره.
ولكن الذي وقع كان على العكس تمامًا.
فكلما سُئل الإمام أجاب بجوابٍ يكشف عمقًا في الفهم، ودقةً في الاستنباط، وإحاطةً بأحكام الشريعة، حتى أخذت الشبهة تتراجع أمام البرهان، وأصبح الذين كانوا يستغربون صغر سنه يعجبون من سعة علمه.
وهنا بدأت الأمة تلتفت إلى حقيقةٍ غابت عن كثيرين؛ وهي أن العلم الذي يحمله الإمام ليس ثمرة سنواتٍ من التعلم كما هو شأن سائر الناس، وإنما هو العلم الذي أورثه الله حججه، كما أورث الأنبياء من قبل.
وقد أشار القرآن الكريم إلى أن الفضل الإلهي لا يُقاس بالمقاييس البشرية، فقال سبحانه:﴿ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، (الجمعة: 4).
ومن هنا لم يعد السؤال الحقيقي: كم كان عمر الإمام الجواد عليه السلام؟ بل أصبح: من أين جاء هذا العلم الذي بهر كبار العلماء، وألزمهم بالحجة وهم أصحاب الأعمار الطويلة والخبرة الواسعة؟
وهكذا بدأت الأيام تثبت أن الإمامة لا تُعرف بعدد السنين، وإنما بما يفيضه الله على أوليائه من علمٍ وحكمة، وأن العمر قد يكون صغيرًا، لكن الحجة التي يحملها الإمام تبقى كاملةً لا يشوبها نقص.
حين شهد العلماء للإمام
أدرك المأمون العباسي أن كثيرًا من الناس ما زالوا ينظرون إلى صغر سن الإمام الجواد عليه السلام بوصفه مدخلًا للتشكيك في إمامته. فرأى أن يعقد مجلسًا عامًا يحضره كبار العلماء والقضاة ووجوه الدولة، ليكون الحكم فيه للعلم أمام الناس جميعًا.
وكان أبرز الحاضرين قاضي القضاة يحيى بن أكثم، أحد أشهر فقهاء عصره، وقد ظن كثيرون أن خبرته الطويلة ستكشف عجز الإمام، أو على الأقل ستضعه في موقفٍ يصعب عليه الخروج منه.
فسأل يحيى الإمام سؤالًا فقهيًا بدا في ظاهره بسيطًا، فقال: “ما تقول في مُحرِمٍ قتل صيدًا؟”
لكن الإمام لم يُجب مباشرة، بل قال: “أقتله في حلٍ أم في حرم؟ عالمًا كان المحرم أم جاهلًا؟ قتله عمدًا أم خطأ؟ كان حرًا أم عبدًا؟ صغيرًا أم كبيرًا؟ من صيد الطير أم من غيره؟ من صغاره أم من كباره؟ مصرًا على فعله أم نادمًا؟ كان إحرامه للحج أم للعمرة؟”
وهنا أدرك الحاضرون أن السؤال الذي صاغه يحيى على أنه مسألة واحدة، يخفي وراءه صورًا متعددة، ولكل صورةٍ حكمها المختلف في الفقه.
وتحيّر يحيى، ولم يجد جوابًا، بينما أخذت الدهشة تعلو وجوه الحاضرين، لأن الإمام لم يكتفِ بالإجابة، بل كشف أن السؤال نفسه يحتاج إلى تفصيلٍ قبل إصدار الحكم.
ولم يكن ذلك استعراضًا للعلم، وإنما تعليمًا لمنهج التفكير الصحيح؛ فالفقيه لا يحكم قبل أن يحيط بجميع تفاصيل الواقعة، ولا يكتفي بظاهر السؤال حتى يعرف جميع قيوده وأوصافه.
وهكذا تحوّل المجلس الذي أُريد له أن يكون امتحانًا للإمام، إلى شهادةٍ جديدة بعلمه، حتى اعترف الحاضرون جميعًا بفضله، وسقطت واحدة من أكبر الشبهات التي أُثيرت حول إمامته.
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، (الزمر: 9).
فلم يكن الذي ميّز الإمام الجواد عليه السلام صغر سنه أو كبره، وإنما العلم الذي أودعه الله فيه، حتى أصبح هذا المجلس علامةً فارقةً في تاريخ الإمامة، وبرهانًا حيًا على أن الحجة الإلهية لا تُقاس بالأعمار، بل بما تحمل من نور العلم والحكمة.
حين سقطت مقاييس البشر
لم تكن مناظرة الإمام الجواد عليه السلام مع يحيى بن أكثم انتصارًا في مجلسٍ علمي فحسب، بل كانت سقوطًا لمقياسٍ ظل كثيرٌ من الناس يحاكمون به الإمامة.
فقد اعتاد الناس أن يربطوا القيادة بطول العمر، وكثرة التجارب، وتقدم السن، وهي معايير قد تصح في كثيرٍ من شؤون الحياة، لكنها لا تنطبق على من اختاره الله حجةً على عباده.
لقد أثبت الإمام الجواد عليه السلام أن العلم الإلهي لا ينتظر السنين، وأن الحكمة إذا وهبها الله لعبدٍ لم يمنعها صغر العمر، كما لم يمنحها طول العمر لمن لم يصطفه الله.
ولهذا لم تعد القضية بعد ذلك: كم كان عمر الإمام؟ بل أصبحت: ماذا قدّم من علمٍ وحجة؟
ومن هنا تغيّر نظر كثيرٍ من الناس إلى الإمامة، فلم يعودوا يقيسونها بما تعارف عليه البشر، وإنما بما دلّت عليه آيات الله وسيرة أنبيائه وأوصيائه.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة حين قال سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾، (الأنعام: 124).
فكما أن النبوة ليست اختيار الناس، كذلك الإمامة ليست نتيجة العمر أو الشهرة أو المكانة الاجتماعية، وإنما هي اصطفاءٌ إلهي، يعلم الله موضعه، ويهيئ له من أسباب العلم والهداية ما تقوم به الحجة على الخلق.
وهكذا لم يكن الإمام الجواد عليه السلام يدافع عن نفسه بقدر ما كان يعيد للأمة فهمها الصحيح للإمامة؛ فهي ليست منصبًا بشريًا يُكتسب، وإنما عهدٌ إلهي يُؤتى، ولا يُقاس بأعمار الرجال، بل بعلمهم، وهدايتهم، وصدق اتصالهم بالله تعالى.
حين انتصرت الإمامة مرةً أخرى
لم يكن أعظم ما حققه الإمام محمد الجواد عليه السلام أنه أجاب عن أسئلة العلماء، ولا أنه غلب خصومه في المناظرات، وإنما أنه أعاد للأمة ميزانها الصحيح.
فقد أثبت أن الإمامة ليست منصبًا يصنعه الناس، ولا منزلةً يمنحها العمر أو التجربة، وإنما اصطفاءٌ إلهي يهب الله صاحبه من العلم والحكمة ما تقوم به الحجة على عباده.
ولذلك سقطت الشبهة التي أراد خصوم أهل البيت عليهم السلام أن يجعلوها مدخلًا للطعن في الإمامة. فما عجزت عنه السجون مع الإمام الكاظم عليه السلام، وما أخفقت فيه محاولات الاحتواء مع الإمام الرضا عليه السلام، لم تستطع أن تحققه شبهة صغر السن مع الإمام الجواد عليه السلام.
وهكذا بقي الصوت الذي بقي هو صوت العلم، لا صوت السلطان، وصوت الحجة، لا صوت الشبهة.
وقد لخّص القرآن هذا الأصل بقوله تعالى:﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، (الحج: 75).
فالاصطفاء الإلهي لا يخضع لمقاييس البشر، ولا تحدّه الأعمار، وإنما يضع الله رسالته وحججه حيث يشاء، ويهيئ لهم من العلم والحكمة ما تقوم به الحجة على عباده.
والحكمة عطيةٌ من الله، لا يحدها عمر، ولا تصنعها السنين، وإنما يضعها الله حيث يشاء.
ويبقى السؤال
إذا كان الإمام الجواد عليه السلام قد أثبت إمامته وهو في مطلع عمره، فإن سنواته اللاحقة لم تكن أقل ابتلاءً. فقد وجد نفسه يواجه سلطةً عباسية جديدة، تتبدل فيها الوجوه، بينما يبقى الهدف واحدًا: مراقبة الإمام، ومحاصرة تأثيره، ومنع امتداد رسالته.
فكيف قاد الإمام الجواد عليه السلام الأمة في تلك الظروف؟ وكيف واجه سياسة الاحتواء والرقابة وهو ما يزال في ريعان شبابه؟ وكيف انتهت حياته كما انتهت حياة آبائه، شهيدًا في سبيل الرسالة؟
هذا ما نأمل أن نجيب عليه في المقالة القادمة، بإذن الله.





