
أمير الصالح
النفس البشرية بالإجمال إلا ما ندر ميالة للهو والكسل واللعب والتأجيل والتسويف والأخذ دون العطاء؛ ولذا فرص كثيرة تنساب من أيدي غالبية الناس ونسجل عددًا مميزًت وقليلًا من الناس يقتنصونها ويبدعون في تحقيق أهداف سامية ويشار إليهم بالبنان ويصبحون رموزًا للنجاح أو الكفاح أو البناء أو التقوى أو سمو الأخلاق والهمة. أولئك الأشخاص المميزون تميزوا ليس بسبب طول ساعات نومهم ولا كثرة تسكعم في المولات أو كثرة كسلهم ولا بكثرة لهوهم، ولكن تميزوا بعدما نجحوا بمساعدة آبائهم وأمهاتهم، إلى جانب أنفسهم بعد توفيق الله، في لجم شهواتهم وتسخير طاقاتهم وقوة إصرارهم وحسن انضباطهم وسرعة اتخاذ قراراتهم وطول نفسهم وصلابة عزيمتهم وتراكم إنجازاتهم وتجسد روح العطاء فيهم حتى لو كانوا من أواسط عوائل منسية أو مهمشة أو ترعرعوا في أواسط ظروف قاسية. يُنسب إلى الإمام علي عليه السلام قوله: (جاهدوا تورثوا أبناءكم عزًّا). والعز لا ياتي اعتباطًا بل بعد رحلة من التربية الذاتية ومقارعة الشهوات والسعي الدؤوب نحو الأهداف النبيلة.
الرعاية والتشجيع
يكرر والدي مقولة ” من لاحظت عنزتها جابت توم twin ؛ ومن اهملتها راحت تهوم” ، لدلالة على ضرورة العناية بالأولاد حتى يشتد عود كل منهم ولا سيما في هذا الزمن العاصف حيث المغريات المتزاحمة والإغواءات المتنوعة ومرابط الشياطين الكُثر وفضاء رقمي مليئ بالفوضى والشيطنة والفلتان والدعوات الضالة والسلوكيات المنحرفة. ولعل من بعض أهم أدبيات الرعاية لأفراد الأسرة في هذا الزمان، الرعاية النفسية والعاطفية إلى جانب المالية. تجنب الاصطدام واحتضان الآراء وترك مجال للأبناء بالتعبير عن الذات ومد يد المساعدة لكل منهم دون أي منٍّ أو أذى أو لمز أو غمز أمور ضرورية لكي تستمر روح المودة والوصال وعُرى الالتحام وحبال الألفة والولاء.
الأكبر
بعد رجوع النبي (ص) وأصحابة إلى المدينة المنورة من أحد المعارك التي خاضوها، قال النبي (ص) للمحيطين به بما معناه: رجعنا من الجهاد الأصغر ودخلنا الجهاد الأكبر. فسأله بعض الصحابة: وما الجهاد الأكبر؟ فقال النبي (ص): “جهاد النفس”. فسر غالبية أهل الحديث معنى ذلك الحديث بأن الجهاد الاكبر هو تربية النفس وكبح جماح شهواتها والالتزام بتعاليم رب العالمين وتوطيدها على الطاعة وكره المعصية والمضي نحو الخير. كان البعض يعتقد أن الجهاد الأكبر هو جهاد الحصول على لقمة العيش؛ والواقع إن سبل اكتساب لقمة العيش قد تتاح بشكل أفضل عبر الانتقال إلى أماكن تكاثر فرص العمل. ولكن عدد ليس بالقليل من الناس قد ينتقل لبعض المدن الكبرى والمسماة مدن مراكز المال والأعمال إلا أنه في النهاية يضيع دينه وصلاته واحترامه نفسه وكرامته لهثا خلف جمع المزيد من المال. وقد يستحصل المال ويكون الثروة ولكن يضيع منه الولد ويفقد روح وجود الذرية الصالحة.
فتن
الروايات المتعددة عن النبي محمد (ص) تؤكد حقيفة بأن الفتن تتلاحق كتلاحق الليل المظلم وعندما يكون الليل بهيم تتخبط المسارات وتتصادم المقاصد ويضيع من ليس له نور في عينه وقلبه ووعيه وعقله.
اجعل لنفسك نورًا
مع ثورة الاتصالات والمعلومات؟ كثُرت الخطوط والأفكار والأحزاب والجماعات والأهواء المعروضة على شاشات الجوالات والتلفاز وتطبيقات التواصل الاجتماعية وأضحى من ليس له نور كاف وفكر وصين ورؤية واضحة ويقين مترسخ وعقائد قوية وإيمان ناضج يمشي بهم فهو يتخبط كل يوم في واد. فكم شخص تراه مصبحًا يدعي أنه محب لمجتمعه وتراه مساءً بائعًا لمجتمعه. وكم شخص تراه يدعي الأبوة وهو يبخل على أبنائه بحقوقهم. وكم شخص يتردد على المساجد وهو ظالم لزوجته. وكم شخص يحلف بالله لترويج سلعه وعقاره وهو كاذب. وكم شخص يُستأمن على إدارة شركة مساهمة وهو في الواقع يسرقها.
الإنسان قابل للانزلاق كما أنه قابل للكسر. وعلى الإنسان الحريص حفظ نفسه من الانزلاق بحفظ عقله وأخلاقه ودينه وصلاته وكلامه وبصره وسمعه.
خلاصة
الصحة والمال والأولاد والفكر القويم والأخلاق المستقبمة والسلوك الحسن هبات من الله تستحق الحمد والشكر لله على وجودها ويجب البذل للجهود والأوقات والأموال للحفاظ عليها.





