
د. حجي الزويد
قد يظن البعض أن دور العضلات يقتصر على الحركة فقط، وكأنها مجرد “محرك ميكانيكي” للجسم، ولكن الحقيقة أعمق بكثير. فالعضلات تُعد عضوًا هرمونيًا نشطًا قادرًا على التأثير في معظم أجهزة الجسم.
عندما تنقبض العضلات أثناء الرياضة، تُفرز مئات الجزيئات تُعرف باسم “الميوكينات” (Myokines)، وهي مواد تنتقل عبر الدم لتتواصل مع أعضاء مختلفة مثل الدماغ، والكبد، والدهون، والعظام، والجهاز المناعي. واكتشاف هذه المواد غيّر فهم العلماء للرياضة، حتى ظهر مفهوم “الرياضة دواء”.
ولكن الباحثين يرون أن الأمر يتجاوز ذلك، فالرياضة ليست مجرد وسيلة علاجية، بل حاجة بيولوجية أساسية مثل الطعام والتنفس، بينما يُعد الخمول وقلة الحركة عاملًا مسببًا للأمراض.
من أشهر هذه الميوكينات مادة IL-6، التي تزداد بشكل كبير أثناء التمارين الهوائية أو الشديدة، وتلعب دورًا مهمًا في تنظيم المناعة والالتهاب. وهناك أيضًا هرمون “إيريسين” المرتبط بتنظيم الدهون، وBDNF الذي يدعم وظائف الدماغ والذاكرة والتعلّم.
ولا تقتصر الفائدة على العضلات فقط، فالرياضة تحفّز أعضاء أخرى لإفراز مواد تُعرف باسم “الإكسيركينات”، وهي جزيئات تساعد في حماية القلب، وتنظيم التمثيل الغذائي، ودعم المناعة، وصحة الجهاز العصبي. أما قلة الحركة فتقلل هذه المواد وترتبط بزيادة خطر الأمراض والوفاة.
وتؤثر هذه المواد المفيدة في أجهزة الجسم المختلفة بطرق متعددة:
في الجهاز المناعي:
تساعد بعض الميوكينات على تنشيط الخلايا المناعية وتقوية قدرتها على المراقبة والدفاع، كما تُخفف الالتهاب المزمن الذي يرتبط بأمراض القلب والسكري والسمنة.
في الدماغ والجهاز العصبي:
توجد علاقة مباشرة تُعرف بمحور “العضلة–الدماغ”، حيث تساعد مواد مثل BDNF وIrisin على تكوين خلايا عصبية جديدة وتحسين الذاكرة والتعلّم، كما ترتبط بانخفاض خطر التدهور المعرفي وأمراض الشيخوخة العصبية.
في تنظيم السكر والدهون:
أثناء الرياضة تساعد العضلات على حرق الدهون، خاصة الدهون الحشوية حول البطن، كما تُحسن حساسية الإنسولين وتساعد الخلايا على استخدام السكر بكفاءة، مما يفسر دور الرياضة في الوقاية من السكري من النوع الثاني.
في القلب والأوعية الدموية:
تساعد المواد التي تُفرز أثناء التمارين على توسيع الأوعية وتحسين مرونتها وتقليل تيبّس الشرايين، لذلك تقل لدى الأشخاص النشطين مخاطر ارتفاع الضغط وأمراض القلب.
في العظام:
تتفاعل العضلات مع الهيكل العظمي عبر ميوكينات تُحفّز بناء العظام وتحافظ على كثافتها، مما يساعد في الوقاية من هشاشة العظام.
في الوقاية من السرطان:
تشير الدراسات إلى أن الخمول يرتبط بزيادة خطر أنواع عديدة من السرطان، بينما تساعد الميوكينات الناتجة عن الرياضة في تقليل نمو الخلايا السرطانية وتحفيز الخلايا المناعية القادرة على مهاجمتها.
الخلاصة أن العضلات ليست مجرد وسيلة للحركة، بل عضو نشط يرسل إشارات حيوية تؤثر في كامل الجسم. وكل انقباض عضلي أثناء الحركة يحمل رسالة صحية إلى الدماغ والمناعة والقلب والعظام. ولهذا فإن الحركة ليست رفاهية، بل ضرورة بيولوجية أساسية لصحة الإنسان.
هذا مقال مترجم
الكاتب الأصلي : by Beatriz Carpallo Porcar, Andrés Ráfales Perucha, Daniel Sanjuán Sánchez, José Lesmes Poveda López, Paula Cordova Alegre
المصدر:
This article is republished from The Conversation under a Creative Commons license





