
أحمد الطويل
تنويه:
هذه هي المقالة السابعة عشرة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول إمامة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، ودورها في تهيئة الأمة لمرحلة الغيبة.
مقدمة:
ليست الرسالات الإلهية مشاريع تُقاس بما تحققه في حاضرها فحسب، بل بما تتركه من قدرةٍ على البقاء حين تتغير الظروف، وتشتد المحن، ويغيب القادة عن أنظار الناس.
فالنجاح الحقيقي لا يظهر حين تكون القيادة حاضرةً بين أتباعها، وإنما حين تبقى الرسالة حيّةً في القلوب، قادرةً على مواصلة طريقها، حتى عندما تضيق السبل، وتشتد الرقابة، ويصبح حضور القائد المباشر أمرًا متعذرًا.
ومن هنا كانت إمامة الإمام الحسن العسكري عليه السلام واحدةً من أكثر مراحل الإمامة حساسيةً ودقة؛ لأنها لم تأتِ لتبدأ مشروعًا جديدًا، بل لتقود مشروعًا بلغ أخطر مراحله.
فقد تسلّم الإمام أمةً أُعدّت بالصبر، ونُظّمت بالحكمة، وتعلّمت أن ترتبط بالإمامة على أساس الوعي واليقين، لا على مجرد القرب المكاني أو سهولة اللقاء.
ولكن المرحلة القادمة كانت أعظم من كل ما سبقها.
فلم يعد التحدي يقتصر على مواجهة العباسيين الذين يراقبون الإمام وتحاصرونه، بل أصبح المطلوب إعداد الأمة لزمنٍ يتغير فيه شكل حضور الإمام؛ زمنٍ يغيب فيه عن الأبصار، دون أن تغيب الإمامة من حياة الأمة، أو تنقطع الهداية عن طريقها.
ولهذا لم تكن السنوات القصيرة من إمامة الإمام الحسن العسكري عليه السلام سنوات انتظارٍ لحدثٍ قادم، بل كانت سنوات إكمال البناء، ووضع اللمسات الأخيرة على مشروعٍ امتد عبر أجيال الأئمة، حتى تصبح الأمة قادرةً على عبور أعظم امتحانٍ في تاريخ الإمامة، دون أن تفقد بوصلتها، أو ينقطع عهدها بإمامها.
فكان السؤال الذي واجه الإمام في تلك السنوات أعمق من سؤال البقاء تحت الحصار: كيف تبقى الإمامة حاضرةً في وعي الأمة، إذا أصبح اللقاء بالإمام نفسه جزءًا من الماضي؟
ومن هنا تبدأ حكاية الإمام الحسن العسكري عليه السلام؛ حكاية إمامٍ ضاقت حركته، ولكن اتسعت مسؤوليته، لأن ما كان يبنيه لم يكن لزمنه وحده، وإنما لمرحلةٍ ستأتي بعده.
حين ضاقت الرقابة واتسعت المسؤولية
حين آلت الإمامة إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام سنة (254هـ)، لم يكن قد تسلّم مقام الإمامة فحسب، بل تسلّم مرحلةً سياسيةً بالغة التعقيد، كان فيها بني العباس أشد وعيًا بخطورة الدور الذي يمثله الإمام، وأكثر حرصًا على تطويق حركته وعزل أثره عن الأمة.
فالإمام لم يعد في نظرهم رجلًا من آل البيت فحسب، بل امتدادًا لخطٍّ بقي حاضرًا في وجدان الأمة، رغم ما بذلوه من جهودٍ لإقصائه وإضعاف أثره. وكانت الأخبار المتداولة عن المهدي من ولده تزيد من مخاوفها، حتى تحولت مراقبة الإمام إلى ترقبٍ دائم لما يمكن أن يأتي بعده.
ولهذا عاش الإمام في سامراء في ظل رقابةٍ شديدة حدّت من حركته واتصاله بأصحابه، وأصبح تحركه ولقاؤه بهم واقعًا تحت تضييقٍ مستمر. ولم يكونوا يراقبون الإمام لذاته فقط، بل كانوا يحاولون أن يعرفون من يلتقي به، ومن يحمل عنه، وكيف تصل توجيهاته إلى أتباعه، وأين تمتد صلته بالأمة.
وهكذا لم يكن الحصار الذي أحاط بالإمام حاصرًا لحركته وحدها، بل كان محاولةً لعزل الإمامة عن مجتمعها، وقطع الطريق بين الحجة وأتباعه.
ولكن هذا التضييق لم يدفع الإمام إلى الدخول في مواجهةٍ تستنزف ما بقي من القاعدة المؤمنة؛ لأن المعركة في تلك المرحلة لم تكن معركة بقاء شخصٍ في مواجهة سلطة، وإنما معركة بقاء مشروعٍ ينبغي أن يمتد إلى ما بعد حياة الإمام نفسه.
ومن هنا اختار الإمام أن يدير المرحلة بالحكمة التي تفرضها ظروفها.
فحافظ على ما بناه الإمام الهادي عليه السلام، ورسّخ شبكة الوكلاء والثقات، وأبقى الصلة بالأمة قائمةً، ولكن بوسائل أكثر دقةً وحذرًا، تتناسب مع واقع الرقابة المفروضة عليه.
وبذلك لم تعد مواجهة السلطة قائمةً على الظهور والمواجهة المباشرة، بل على حماية القدرة الداخلية للمشروع على الاستمرار.
ولعل أعمق ما يلفت النظر في هذه المرحلة أن الإمام لم يسمح للحصار أن يحاصر رسالته.
فقد ضاقت حركته، ولكن اتسعت مسؤوليته.
لم يعد المطلوب أن يصل الإمام إلى الناس كما كان يفعل في مراحل سابقة، بل أن يضمن أن تصل الهداية إليهم رغم القيود، وأن تبقى الأمة قادرةً على الارتباط بإمامها، حتى عندما تصبح المسافة بين الإمام وأتباعه أكبر، والرقابة أشد، واللقاء أكثر صعوبة.
وفي هذا المعنى يوجّه القرآن الكريم المؤمنين إلى أن حفظ الدين لا يقوم على المواجهة وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى إعداد من يحمل العلم، ويصونه، ويبلغه إلى الأمة، قال تعالى:﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، (التوبة: 122).
وفي ظل هذه الظروف، أخذ دور الإمام يتجه أكثر فأكثر نحو بناء القدرة على الاستمرار؛ فالمسألة لم تعد أن يبقى الإمام حاضرًا في كل مجلس، وإنما أن تبقى الأمة متصلةً بمصدر الهداية، وأن تمتلك من الوعي والتنظيم ما يحفظ هذا الاتصال حين تضيق وسائل اللقاء.
وهنا بدأ يتشكل المعنى الذي سيصبح أكثر وضوحًا في السنوات الأخيرة من إمامته: أن المشروع الذي يُراد له أن يستمر، لا بد أن يتعلم كيف يعمل في زمن الحصار، وأن الأمة التي ستواجه غيابًا طويلًا، لا بد أن تتعلم قبل ذلك كيف تحفظ صلتها بإمامها حين يقلّ حضوره المباشر.
ومن هنا لم تكن الرقابة التي فرضتها السلطة مجرد ظرفٍ سياسي عابر، بل كانت جزءًا من البيئة التي دفعت المشروع إلى مرحلةٍ جديدة من التنظيم، والسرية، وتوزيع المسؤولية.
مرحلةٍ كان فيها الإمام محاصرًا في حركته، لكنه يعمل على أن تكون الرسالة أوسع من الحصار، وأبقى من السلطة، وأقدر على الوصول إلى الأمة من كل القيود التي فُرضت عليها.
حين أصبحت السرية وسيلةً لحفظ الرسالة
لم تكن السرية في حياة الإمام الحسن العسكري عليه السلام مجرد استجابةٍ للخوف من السلطة، بل أصبحت جزءًا من أسلوب إدارة المرحلة؛ فكلما اشتدت الرقابة على الإمام، ازدادت الحاجة إلى وسائل تحفظ الصلة بالأمة، دون أن يكشفوا البنية التي يقوم عليها هذا الاتصال.
فالعباسيون لم يكونوا يراقبون الإمام وحده، بل كانوا يتابعون من يقترب منه، ويرصدون حركة أصحابه، ويحاولون معرفة الرجال الذين يحملون عنه علمه وتوجيهاته. وكانوا يدركون أن قوة الإمام لا تكمن في حضوره الشخصي فقط، وإنما في قدرته على التواصل مع جماعته، وفي شبكة الرجال الذين تصل عبرهم كلمته إلى أتباعه في مختلف الأقاليم.
ومن هنا تغيّر أسلوب العمل، دون أن يتغير جوهر الرسالة.
أصبحت اللقاءات المباشرة أكثر محدودية، والمراسلات أكثر تحفظًا، وأداء الوكلاء أكثر دقة، بحيث تستمر الصلة بالإمام من غير أن تتحول وسائل التواصل نفسها إلى طريقٍ يكشف الجماعة أو يعرّضها للخطر.
ومع ذلك، لم تعنِ السرية انقطاع الأمة عن إمامها.
فقد بقيت الأسئلة العلمية تصل إليه، والحقوق الشرعية تُؤدّى إليه، وتوجيهاته تبلغ أتباعه، ولكن عبر منظومةٍ من الثقات والوكلاء، يؤدي كل واحدٍ منهم ما أُوكل إليه، ويحفظ من تفاصيل العمل ما تقتضيه مسؤوليته.
وهنا بدأت تظهر أهمية البناء الذي أسسه الإمام الهادي عليه السلام، وتعمّق دوره في عهد الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
فلم تعد الصلة بالإمام تعتمد على أن يلتقي كل مؤمن بإمامه مباشرة، بل أصبح هناك رجالٌ موثوقون يحملون عنه، وينقلون توجيهاته، ويقومون بالمسؤوليات التي تفرضها حاجة الأمة، مع بقاء الإمام هو المرجع والقائد، لا بديلًا عنه.
وهذا التحول لم يكن مجرد إجراءٍ أمني، بل كان تحولًا في مستوى المسؤولية.
فالمشروع الذي يعتمد على حضور قائده في كل تفصيل، يمكن أن يتعطل إذا حُوصر القائد أو مُنع من الحركة. أما المشروع الذي يربّي رجالًا قادرين على حمل المسؤولية ضمن منظومةٍ منضبطة، فإنه يصبح أكثر قدرةً على الاستمرار، حتى في أصعب الظروف.
ولهذا لم يجعل الإمام الحسن العسكري عليه السلام الرسالة متوقفةً على شخصٍ واحد، ولا على مركزٍ واحد، بل عمل على ترسيخ منظومةٍ من الرجال الثقات، تتكامل أدوارهم، وتتوزع مسؤولياتهم، وتبقى صلتهم بالإمام محفوظةً ضمن حدودٍ تحمي الجماعة من الانكشاف وتحفظ الرسالة من الانقطاع.
ومن هنا نفهم أن السرية لم تكن انسحابًا من ميدان الرسالة، بل كانت وسيلةً لإعادة تنظيمه.
فاللقاء الذي أصبح خطرًا، عُوّض عنه بالتواصل المنضبط؛ والحضور الذي ضاقت مساحته، عُوّض عنه برجالٍ يحملون المسؤولية؛ والمسافة التي فرضتها السلطة، لم تمنع الهداية من أن تجد طريقها إلى الأمة.
وهكذا بدأت الأمة تتعلم درسًا سيصبح بالغ الأهمية في المرحلة القادمة: أن الصلة بالإمام لا تتوقف على سهولة الوصول إليه.
فالغاية لم تكن أن يبقى الإمام قريبًا من كل فرد، وإنما أن تبقى الأمة قريبةً من الحق الذي يقودها إليه.
ومن هنا كانت السرية في عهد الإمام الحسن العسكري عليه السلام أكثر من وسيلةٍ لحماية الأشخاص؛ كانت تدريبًا عمليًا على أن يحمل المؤمن مسؤوليته، وأن يثق بالمنظومة التي تحفظ صلته بإمامه، دون أن يخلط بين دور الوكيل ودور الإمام، أو يجعل الوسيلة بديلًا عن الأصل.
وبذلك أصبح المشروع أكثر قدرةً على الصمود أمام الرقابة.
فالسلطة تستطيع أن تضيق على فرد، وأن تراقب مكانًا، وأن تمنع لقاءً، لكنها تواجه صعوبةً أكبر حين تصبح الرسالة موزعةً في وعي رجالٍ متعددين، يحمل كل واحدٍ منهم جزءًا من المسؤولية، ويتصل بالإمام ضمن نظامٍ يحفظ وحدة المشروع.
وهكذا لم تعد السرية في عهد الإمام الحسن العسكري عليه السلام مجرد وسيلةٍ لحماية الأشخاص، بل أسهمت في بناء أمةٍ أكثر قدرةً على تحمل المسؤولية، وأرسخت صلةً بالإمام لا تقوم على سهولة اللقاء، وإنما على الثقة بالهداية والالتزام بتوجيهها.
وبذلك لم تعد المسافة التي فرضتها السلطة عائقًا أمام استمرار المشروع، بل تحولت إلى ظرفٍ أعاد تشكيل طريقة ارتباط الأمة بإمامها، ومهّد لمرحلةٍ ستحتاج فيها إلى قدرٍ أكبر من اليقين والثبات.
ومن هنا لم يكن السؤال في تلك المرحلة: كيف نصل إلى الإمام رغم الحصار؟
بل أصبح السؤال الأعمق: كيف تبقى الأمة ثابتةً على إمامها حين تتغير صورة حضوره؟
حين أصبحت الغيبة تربيةً قبل أن تكون حدثًا
لم تكن الغيبة حدثًا يبدأ في اللحظة التي يغيب فيها الإمام عن الأبصار، بل كان لها تمهيدٌ يسبقها؛ لأن أصعب ما في الغياب ليس أن يفقد الناس رؤية الإمام، وإنما أن يتعلموا كيف يبقون أوفياءً له حين لا تعود العين قادرةً على الوصول إليه.
وهنا تتضح دقة المرحلة التي عاشها الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
فلم يكن المطلوب منه أن يعرّف الأمة بخبر الغيبة فحسب، بل أن يهيئها نفسيًا وعقليًا وعقديًا لمرحلةٍ يتغير فيها شكل حضور الإمام، وتصبح العلاقة به قائمةً على المعرفة واليقين، لا على سهولة اللقاء.
فالإنسان بطبيعته يطمئن إلى ما يراه، ويجد في الحضور المباشر سندًا لمشاعره وقناعاته. ولذلك كان الانتقال من إمامٍ يُرى ويُلتقى به إلى إمامٍ يُؤمن به ويُنتظر، انتقالًا يتجاوز الظرف السياسي إلى أعماق النفس الإنسانية.
ومن هنا لم تكن تهيئة الأمة للغيبة مجرد إخبارٍ بمستقبلٍ مجهول، بل كانت إعادة بناءٍ لمفهوم العلاقة بالإمامة.
فالإمام لا يكون حجة الله لأنه حاضرٌ أمام أعين الناس، ولا تنقطع إمامته إذا تعذر اللقاء به. وإنما هو حجةٌ بأمر الله، سواء ظهر للناس أم احتجب عنهم.
ولهذا كان الإمام الحسن العسكري عليه السلام يعمل على نقل أصحابه من الاعتماد على الحضور الحسي إلى الثقة بالحقيقة التي يمثلها الإمام.
فالإيمان الذي يقوم على المشاهدة قد تهزه لحظة الغياب، أما الإيمان الذي يقوم على المعرفة واليقين، فإنه يستطيع أن يرى في الغياب امتحانًا، لا نهايةً؛ وأن يفهم أن احتجاب الإمام عن الأبصار لا يعني سقوط إمامته، ولا انقطاع الهداية التي أقامها الله لعباده.
وهنا تصبح الغيبة امتحانًا من نوعٍ آخر.
فهي لا تختبر قدرة الإنسان على رؤية إمامه، وإنما تختبر قدرته على أن يبقى ثابتًا عندما لا تساعده الحواس على ذلك.
ولا تسأل المؤمن: هل تستطيع أن ترى؟
بل تسأله: هل تستطيع أن تثق عندما لا ترى؟
وهذا هو المعنى الذي يجعل الغيبة تربيةً قبل أن تكون حدثًا.
فالأمة التي اعتادت أن تجعل حضور الإمام مصدر طمأنينتها الوحيد، قد تجد نفسها مضطربةً حين يغيب. أما الأمة التي تعلمت أن تجعل يقينها بالله، ومعرفتها بالحجة، والتزامها بالحق، أساس علاقتها بالإمامة، فإن الغياب لا يسلبها بوصلتها.
ولهذا لم يكن الإمام يربط أصحابه بشخصه بقدر ما كان يربطهم بالله، وبالرسالة، وبحقيقة الإمامة نفسها. وكان يربيهم على أن العلاقة بالإمام لا تتوقف على القرب المكاني، وأن طاعته ومعرفته لا تنتهيان بانقطاع اللقاء.
وهكذا بدأت الأمة تتعلم شيئًا بالغ الأهمية: أن حضور الإمام ليس دائمًا شرطًا لبقاء أثر الإمامة.
فقد يغيب الشخص عن الأبصار، لكن تبقى الحجة، ويبقى المنهج، ويبقى العهد الذي يربط المؤمن بإمامه.
ومن هنا، حين جاءت اللحظة التي غاب فيها الإمام عن الأنظار، لم تكن الأمة أمام معنىٍ غريبٍ تمامًا عن تربيتها السابقة، بل أمام مرحلةٍ كانت قد بدأت تتعلم كيف تستعد لها.
لقد أصبح عليها أن تحمل عهدها مع إمامها بالصبر والثبات، وأن تحافظ على هويتها دون أن تستند إلى القرب المكاني، وأن تبحث عن الهداية ضمن المنهج الذي تركه أئمتها، لا أن تجعل غياب الإمام ذريعةً للتراجع أو الحيرة.
وهنا يظهر المعنى الأعمق للإعداد الذي أنجزه الإمام الحسن العسكري عليه السلام:
لم يكن يهيئ الأمة لكي تعيش بلا إمام، وإنما كان يهيئها لكي تعيش مع إمامٍ لا تراه.
فالغيبة لا تعني فراغًا في الإمامة، وإنما تغيرًا في صورة حضورها.
وقد عبّر القرآن عن حقيقة الإيمان الراسخ بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾، (الحجرات: 15).
فالرسوخ لا يظهر حين تكون الحقيقة قريبةً من العين، وإنما يظهر حين تصبح المسافة بين الإنسان وبين ما يؤمن به اختبارًا لإيمانه.
وهكذا كان الإمام الحسن العسكري عليه السلام يربي أمته على يقينٍ يستطيع أن يصبر، وثقةٍ تستطيع أن تنتظر، وإيمانٍ لا يسقط عندما يغيب الإمام عن الأنظار.
وبذلك لم تعد الغيبة مجرد مرحلةٍ مجهولةٍ تنتظر الأمة وقوعها، بل أصبحت امتحانًا كانت قد بدأت تتعلم أدوات عبوره.
وهنا يكتمل معنى الإعداد: أن تدخل الأمة المرحلة الجديدة وهي تعرف أن إمامها لم يغب عنها من حيث الحجة، وإنما غاب عن أبصارها، وأن مسؤوليتها لم تنتهِ بغيابه، بل ازدادت.
حين أصبح الغياب دليلًا على اكتمال البناء
كل بناءٍ يبدأ بحضور صاحبه، لكنه لا يبلغ كماله إلا حين يصبح قادرًا على البقاء بعد غيابه.
فاليد التي تضع الأساس تستطيع أن تبدأ البناء، لكن الكمال الحقيقي يظهر حين يصبح البناء قادرًا على الوقوف، وحين يصبح الذين يعيشون فيه قادرين على حمايته واستمرار وظيفته، حتى إذا غاب من أقامه.
وهكذا كانت الرسالات الإلهية؛ فنجاحها لا يقاس فقط بقدرة أصحابها على أداء دورهم في حياتهم، بل بما يتركونه في الأمة من إيمانٍ ووعيٍ وقدرةٍ على حمل المسؤولية بعد تغير الظروف.
ومن هنا يمكن فهم أعمق ما أنجزه الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
فلم يكن أعظم إنجازاته أنه صبر على الحصار، ولا أنه حافظ على أصحابه، ولا أنه رسّخ شبكة الوكلاء والثقات، مع عظمة ذلك كله؛ وإنما كان أعظم ما أنجزه أنه أوصل مشروع الإمامة إلى مرحلةٍ يستطيع فيها أن يستمر، حتى عندما يصبح حضور الإمام المباشر أقل إمكانية، وحتى عندما تتغير صورة العلاقة بين الإمام وأمته.
لقد اكتمل البناء من الداخل.
أصبحت الأمة تعرف أن الإمام لا يُعرف بكثرة اللقاء، وإنما بالحجة؛ وأن الرسالة لا تُحفظ بقوة السلطان، وإنما بثبات المؤمنين؛ وأن الصلة بالإمام لا تقاس بقرب المكان، وإنما بصدق العهد.
وهنا يتحول الغياب من خطرٍ محتمل إلى امتحانٍ كاشف.
فالأمة لا تعرف مقدار ما ترسخ فيها من اليقين في أيام السعة، وإنما تعرفه حين تُسحب منها الوسائل التي اعتادت أن تعتمد عليها.
وعندها يظهر الفرق بين إيمانٍ يستمد قوته من الظروف، وإيمانٍ أصبحت الظروف نفسها عاجزةً عن زعزعته.
ومن هنا لم يكن الإمام الحسن العسكري عليه السلام يهيئ الأمة لكي تعيش فراغًا بعده، بل لكي تدرك أن غياب الشخص لا يعني غياب الحجة، وأن تغير صورة الحضور لا يعني انقطاع الإمامة.
وهذه هي النقلة الكبرى التي اكتمل بها المشروع.
فالأمة التي تعلمت كيف تحفظ رسالتها في زمن الحصار، وكيف تتحمل المسؤولية في زمن السرية، وكيف تثبت على إمامها حين تقلّ اللقاءات، أصبحت أقرب إلى القدرة على عبور المرحلة التي لا يكون فيها اللقاء متاحًا أصلًا.
لقد انتقلت المسؤولية من الإمام وحده إلى منظومةٍ من الوعي والإيمان والرجال الذين أُعدوا لحمل ما يستطيعون حمله، دون أن يتحول أحدهم إلى بديلٍ عن الإمام، ودون أن تنقطع صلتهم بمصدر الهداية.
وهنا تتضح قيمة السنوات القصيرة من إمامة الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
فقد كانت قصيرةً في الزمن، لكنها عميقةٌ في أثرها؛ لأن الإمام لم يكن يبني لسنوات إمامته وحدها، بل لمرحلةٍ ستأتي بعدها، وسيكون فيها مقدار ما أُنجز من البناء أهم من طول المدة التي استغرقها.
ولهذا يمكن أن نفهم تلك المرحلة باعتبارها لحظة انتقال: من قيادةٍ تعتمد على إمامٍ حاضرٍ بين الناس، إلى مرحلةٍ تحتاج الأمة فيها إلى قدرٍ أكبر من المعرفة واليقين والثبات.
ومن هنا لم يعد السؤال: هل تستطيع الأمة أن تستمر بعد غياب الإمام؟
بل أصبح السؤال: هل اكتمل فيها من الوعي واليقين ما يجعلها قادرةً على حفظ العهد حين يصبح الغياب هو صورة الحضور الجديدة؟
وكانت الإجابة قد بدأت تتشكل خلال سنوات الإمام الحسن العسكري عليه السلام.
فقد ضاقت حركة الإمام، فاتسعت مسؤولية الأمة. واشتدت السرية، فازدادت الحاجة إلى الوعي. وقلّ اللقاء، فازدادت قيمة اليقين.
حتى وصلت الأمة إلى مرحلةٍ لم يعد فيها الإعداد مجرد فكرةٍ للمستقبل، بل أصبح واقعًا يمهّد للمرحلة التالية.
وهنا اكتمل الإعداد.
ولم يكن هذا الاكتمال يعني أن الأمة أصبحت تستغني عن الإمام، بل العكس؛ فقد أصبحت أكثر إدراكًا لحاجتها إليه، وأكثر قدرةً على حفظ عهدها معه، حتى حين لا تستطيع الوصول إليه بسهولة.
وهذه هي المفارقة التي تكشف عمق المشروع: أن تصبح الأمة أكثر قدرةً على الثبات مع إمامها، في اللحظة التي تصبح فيها أقل قدرةً على رؤيته.
ويبقى السؤال
حين ننظر إلى السنوات القصيرة من إمامة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، قد يبدو لأول وهلة أن الحصار والرقابة جعلا من إمامته مرحلةً دفاعيةً، هدفها الأول هو حماية الإمام وأصحابه من بطش السلطة.
لكن قراءة المرحلة في سياق مسيرة الإمامة تكشف صورةً أعمق.
فالإمام لم يكن يبني لسنوات إمامته وحدها، وإنما كان يواصل بناءً امتد عبر أجيال الأئمة، حتى بلغت الأمة مرحلةً أصبحت فيها قادرةً على حفظ الرسالة في زمن الحصار، وتحمل المسؤولية في زمن السرية، والثبات على الإمامة حين تقلّ اللقاءات.
ثم جاء الاختبار الأكبر: أن تبقى الأمة مع إمامها حين لا تراه.
وهنا اكتمل معنى الإعداد. لم يكن الإمام الحسن العسكري عليه السلام يهيئ الأمة لكي تعيش بلا إمام، وإنما لكي تعيش مع إمامٍ غائبٍ عن الأبصار، حاضرٍ بإمامته، وبما أودعه الله من حجةٍ وهداية.
وبذلك لم تكن إمامته مجرد مرحلةٍ قصيرة بين إمامين، بل كانت الحلقة التي انتقل فيها مشروع الإمامة من زمن الحضور المباشر إلى زمنٍ جديد، يحتاج إلى قدرٍ أكبر من اليقين، والصبر، وحفظ العهد.
لكن اكتمال الإعداد لا يجيب وحده عن كل الأسئلة.
فإذا كان العباسيون يترقبون ولادة الإمام المهدي ويبحثون عن امتداد الإمامة، فكيف حفظ الله حجته من أعينها؟
وكيف جرى انتقال الإمامة من الإمام الحسن العسكري عليه السلام إلى ولده؟
وكيف ظهرت أولى ملامح المرحلة الجديدة التي ستعرفها الأمة باسم الغيبة الصغرى؟
هناك، عند تلك اللحظة الفاصلة بين إمامٍ ظاهرٍ وإمامٍ غائب، وبين أبٍ يسلم الأمانة وولدٍ يحمل الحجة، تبدأ حكايةٌ جديدة.
ذلك ما نأمل أن نتناوله في المقالة الثامنة عشرة، بإذن الله.





