بشائر الوطن

الصوت الذي بقي (18) حين سلّم الإمام الأمانة

أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة الثامنة عشرة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول المرحلة الأخيرة من إمامة الإمام الحسن العسكري عليه السلام، وكيف حُفظ الإمام المهدي عليه السلام وعُرّف به خواص أصحابه، حتى انتقلت إليه الإمامة بعد رحيل أبيه.

مقدمة:

لم تكن السنوات الأخيرة من حياة الإمام الحسن العسكري عليه السلام مرحلةً عاديةً من مراحل الإمامة؛ فقد اجتمع فيها خطر السلطة مع مسؤولية المستقبل.

فالعباسيون لم يكونوا يراقبون الإمام العسكري عليه السلام لموقعه في حاضرها فقط، وإنما كانوا يترقبون ما سيأتي بعده. وكانوا يعرفون أن رحيل الإمام لا يعني نهاية الإمامة، وأن وراءه امتدادًا لا بد أن يبحثوا عنه.

وكان الإمام يدرك خطورة ذلك.

فلم تعد مسؤوليته مقتصرةً على رعاية شيعته في ظل الحصار، بل أصبح عليه أن يحفظ الإمام الذي ستنتقل إليه الإمامة من بعده، وأن يعرّف به من يحتاج إلى معرفته، دون أن يجعله مكشوفًا أمام أناس يترقبون وجوده.

وهنا اكتسبت السنوات الأخيرة من حياة الإمام العسكري عليه السلام خصوصيتها.

فالإمام المهدي عليه السلام لم يكن مجرد ولدٍ للإمام العسكري، بل كان صاحب الإمامة من بعده، وكانت المحافظة عليه جزءًا من المحافظة على استمرار الإمامة نفسها.

ولهذا كان على الإمام العسكري أن يجمع بين أمرين متلازمين: أن يحفظ الحجة، وأن يقيم الحجة.

يحفظ الإمام القادم من الأعين، ويعرّف به من تقتضي الحكمة أن يعرفه.

ومن هنا تبدأ حكاية السنوات الأخيرة من إمامة الإمام الحسن العسكري عليه السلام.

حين حُفظ الإمام

كان وجود الإمام المهدي عليه السلام في تلك المرحلة يحمل خطرًا خاصًا؛ لأن العباسيون كانوا يترقبون امتداد الإمامة، ولم يكن إظهاره على نطاقٍ واسع ممكنًا من غير أن يعرّضه للخطر.

ولكن الحفظ لم يكن يعني أن يبقى أمره مجهولًا عند الجميع.

فقد كان لا بد أن يعرفه رجالٌ من خواص أصحاب الإمام العسكري، وأن تثبت عندهم حقيقة وجوده وإمامته، حتى لا تتحول وفاة الإمام العسكري إلى حيرةٍ بلا دليل.

وتنقل الروايات أن الإمام العسكري عليه السلام عرّف عددًا من أصحابه بولده، وأكد لهم مقامه من بعده.

ومن ذلك ما روي عن أبي غانم الخادم أن الإمام العسكري عليه السلام، بعد ولادة ولده، سمّاه محمدًا، ثم عرضه على أصحابه في اليوم الثالث، وقال: “هذا صاحبكم من بعدي، وخليفتي عليكم”.

فلم يكن التعريف هنا تعريفًا بولدٍ جديد، وإنما تعريفًا بصاحب الإمامة من بعده.

وهذا هو جوهر المسألة.

لم يكن الإمام العسكري أمام خيارٍ بين الإخفاء الكامل والإعلان الكامل، وإنما كان أمام مسؤوليةٍ أدق: معرفةٌ تكفي لإقامة الحجة، وحفظٌ يكفي لحماية الحجة.

فكان هناك من ينبغي أن يعرف، وكان هناك من لا ينبغي أن ينكشف له الأمر.

ولم تكن السرية غايةً في ذاتها، وإنما كانت وسيلةً فرضتها ظروف المرحلة.

ولهذا فإن حفظ الإمام لم يكن مجرد إجراءٍ لحمايته من خطرٍ مباشر، بل كان جزءًا من حفظ الطريق الذي ستسلكه الإمامة بعد الإمام العسكري.

ولكن الحفظ وحده لا يكفي.

فالإمام الذي سيحمل الأمانة بعد الإمام العسكري كان لا بد أن يكون معروفًا عند من تقع عليهم مسؤولية معرفة الإمام، وأن تكون إمامته ثابتةً عندهم قبل أن يغيب الإمام العسكري عن المشهد.

وهنا جاءت الشهادة الأوضح.

حين عُرفت الحجة

من أبرز المواقف التي نقلتها الروايات، ما روي عن معاوية بن حكيم، ومحمد بن أيوب بن نوح، ومحمد بن عثمان العمري، أنهم كانوا مع جماعة من أصحاب الإمام العسكري عليه السلام، وفي المجلس نحو أربعين رجلًا، وقد سألوا عن الحجة من بعده.

فأراهم الإمام العسكري عليه السلام ولده، وقال: “هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه، ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا”.

ثم يذكر الرواة أنهم خرجوا من عند الإمام العسكري، وما مضت إلا أيام قلائل حتى توفي عليه السلام.

فالإمام العسكري لم يقل: هذا ولدي، بل قال: “هذا إمامكم من بعدي”.

كانت المسألة إذن إثبات إمامة، لا مجرد إثبات ولادة.

وكانت العبارة الأخرى أكثر دلالة: “أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا”.

ففي اللحظة نفسها التي عرّفهم فيها بالإمام، كان يهيئهم لتغير صورة حضوره.

يعرفونه اليوم، ثم لا يروه بعد ذلك؛ ويثبتون على إمامته حتى حين يصبح اللقاء به محدودًا.

وهنا يظهر عمق المسؤولية التي حملها الإمام العسكري عليه السلام.

فهو لم يكن يترك أصحابه أمام مستقبلٍ مجهول، وإنما كان يضع بين أيديهم حقيقةً يحتاجون إليها في المرحلة القادمة: الإمام موجود، وقد عُرف، والإمامة لا تنتهي برحيل الإمام العسكري.

وتؤيد ذلك أيضًا رواية أحمد بن إسحاق، حين سأل الإمام العسكري عليه السلام عن الإمام والخليفة بعده، فأراه ولده وبيّن له مقامه من بعده. وقد ورد هذا الخبر في كمال الدين ضمن الروايات التي استُدل بها على التعريف بالإمام عليه السلام.

وهكذا لم يكن الإمام العسكري يترك أمر الإمامة بعد رحيله للبحث والاحتمال.

كان صاحبها موجودًا، وكانت هناك جماعة تعرفه، وسبقت لحظة الوفاةَ رواياتٌ وشهاداتٌ في التعريف به وإثبات إمامته.

وبقيت الخطوة الأخيرة: أن تنتهي إمامة الإمام الحسن العسكري عليه السلام دون أن تنتهي الإمامة.

حين سُلّمت الأمانة

جاءت وفاة الإمام الحسن العسكري عليه السلام لتضع ما أعدّه خلال سنواته الأخيرة أمام الاختبار الحقيقي.

لم يعد السؤال: من هو الإمام بعده؟

فقد عُرّف به خواص أصحابه، وثبت عندهم أنه الإمام الذي تنتقل إليه الإمامة.

ولذلك فإن تسليم الأمانة هنا ليس بالضرورة مشهدًا منفصلًا وقع في ساعة الوفاة، وإنما هو اكتمال لمسارٍ كامل: حفظ الإمام، والتعريف به، والنص على إمامته، ثم رحيل الإمام العسكري.

فانتقلت الإمامة إلى صاحبها.

وهنا تكمن قوة المشهد.

فالفئة التي كانت تراقب الإمام العسكري وتترقب امتداد الإمامة لم تستطع أن تجعل وفاته نهايةً لها.

رحل الإمام الحسن العسكري عليه السلام، لكن الإمام الذي بعده لم يرحل معه.

انتهت إمامة الإمام الحسن العسكري، وبدأت إمامة الإمام المهدي عليه السلام.

وهكذا لم تكن آخر مسؤولية حملها الإمام العسكري أن يحافظ على حياته أو يتجنب خطر السلطة، وإنما أن يرحل دون أن يترك الإمامة أمام فراغ.

فحين انتهت إمامته، كان هناك إمامٌ من بعده، وقد عُرف أمره عند من أُقيمت عليهم الحجة.

رحل الإمام العسكري عليه السلام، ولكن الأمانة لم ترحل معه. بقي صاحبها، وبدأت إمامته.

وهنا اكتملت المهمة التي حملها الإمام العسكري في سنواته الأخيرة: أن يبقى صاحب الأمانة محفوظًا، وأن تُقام الحجة عليه لمن ينبغي أن يعرفه، حتى إذا رحل الإمام لم ترحل الإمامة برحيله.

لكن اكتمال مهمة الإمام العسكري لم يكن نهاية الطريق. بل كان بداية مرحلةٍ مختلفة تمامًا.

ويبقى السؤال

لقد انتقلت الإمامة إلى الإمام عليه السلام.

ولكن هذه المرة لم تبدأ الإمامة في ظروفٍ تشبه ما سبق.

فالإمام الجديد كان صغير السن، والفئة التي كانت تترقب امتداد الإمامة لم تتوقف عن البحث، والحاجة إلى حفظ الإمام أصبحت أشد، بينما بقيت الأمة بحاجة إلى معرفة إمامها والثبات عليه.

فكيف بدأت إمامة الإمام المهدي عليه السلام في هذه الظروف؟

وكيف استطاعت الأمة أن تعرف إمامًا لم يكن ظهوره العام ممكنًا؟

وهل كان صغر سنه عائقًا أمام إمامته، أم أن الإمامة في منطقها الإلهي لا تُقاس بالمعايير التي تُقاس بها الزعامات البشرية؟

ثم كيف انتقلت الأمة من مرحلة معرفة الإمام إلى مرحلةٍ يصبح فيها اللقاء به نفسه محدودًا؟

من هنا يبدأ فصلٌ جديد من “الصوت الذي بقي”.

فلم يعد السؤال كيف سلّم الإمام العسكري الأمانة.

لقد وصلت إلى صاحبها.

أما السؤال الآن: كيف عاش صاحب الأمانة إمامته؟

وهذا ما نقترب منه في المقالة التاسعة عشرة، بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds