
السيد فاضل آل درويش
مفهوم القوة الإنسانية يظهر في تلك المواقف الكلامية المتناسقة مع الرؤى الفكرية الهادئة والمتأنية، وفي مظهر آخر هو المواقف العملية المتزنة التي يتحمل فيها تبعات ومسؤوليات ما يصدر منه، أيًّا كانت الاحتمالات والنتائج. فإذا ما اتخذ طريق المراوغة والتبرير وإبداء الأعذار لإصباغ موقفه بالصوابية، فهذا يعني أنه يعاني من الضعف في شخصيته.
فإن من أخطر صور الضعف الإنساني أن يرى المرء خطأه واضحًا دون أية حاجة للتوضيح أو التلميع، ومع ذلك فإنه ينشغل بالبحث عن الأعذار التي تبرره وتمنعه من الاعتراف به، فالخطر المحدق بالإنسان هو عدم اعترافه بصدور الخطأ منه واعتياده على هذا المسار، وخصوصًا مع غياب التربية الأسرية وتوجيه الوالدين له بتحمل مسؤولية أي خطأ، ومساعدته على تصحيحه.
فالاعتراف بالخطأ لا يعد منقصة للإنسان، بل فيه دلالة على الثقة بالنفس واحترام العلاقات الاجتماعية وحقوق الآخرين، وهذا ما يكسبه تصالحًا مع الذات، والبعد عن مصادر القلق المدمر بسبب التذرع بالأكاذيب والأعذار الواهية لخطئه، فالاعتراف بالخطأ يكشف عن قوة داخله، وقدرته على الانتصار على غروره وكبريائه، وتقديره للآخرين. أما التمسك بالموقف لمجرد أن صاحبه صدر عنه، فهو في كثير من الأحيان عناد وانتصار للأنا، لا انتصار للحق والحقيقة.
العقل هبة إلهية لاكتشاف الحقائق والتمييز بين المسارات والاتجاهات والأفكار والسلوكيات، وفي مورد ارتكاب الخطأ فإن العقل الواعي يساعد صاحبه على سد الخلل واكتشاف الأخطاء وإصلاحها والتعلم منها مستقبلًا. ولكن التداري خلف وهم الشخصية القوية التي لا تخطئ أبدًا، والذي يقود النفس إلى أن تجعل من الكبرياء حاجزًا بينها وبين التصحيح والمراجعة، فتبدأ بتبرير ما لا يحتاج إلى تبرير لوضوحه، وتأويل ما لا يحتمل التأويل.
التربية الواعية تنظر إلى طبيعة الإنسان المكونة من مجموعة من الغرائز، قد تقود الإنسان إلى الخطأ والخطيئة إن لم يتول العقل الناضج تهذيبها، ولذا فإنها تدعو الفرد إلى التعامل مع الخطأ كأية نتيجة يتحمل تبعاتها. فالإنسان الناضج هو الذي يستطيع أن يقول: «أخطأت»، دون أن يشعر أن اعترافه يقوده نحو انكسار أو هزيمة.
ومن معالم التربية الواعية هو التفريق بين قضية الثبات على المبدأ والقضية الأخرى، وهي الثبات على الموقف الشخصي. إذ الثبات على المبدأ فضيلة كما يقال، وذلك لأنه وصول العقل الواعي إلى أحقية وصوابية الفكرة أو السلوك بعد مدارسته والتأمل فيه بعناية، والحياد عن الحق هو ما يعني ضعفا في النفس وتلونا يقوم على الانتهازية والمصلحة، بغض النظر عن القيم والآداب.
وأما الثبات على الخطأ والإصرار عليه بعد انكشافه بما لا يدعو إلى الشك أو الحيرة، فهو عناد يستنزف الطاقات، ويصرفها نحو الأعذار، ويغلق على النفس باب النمو والتقدم من خلال تعلم الدروس من الأخطاء.




