أقلام

التاريخ والسرد يحفظ ما حدث

أمير بوخمسين

هنالك مساحة دائمًا ما يتركها التاريخ الرسمي في تدوين الاحداث فارغة، فالتاريخ يوثق الحدث، يخبرنا ان حدثًا ما وقع في زمن معين.

ولكنه لا يخبرنا كيف عاش الناس ذلك الحدث، بماذا شعروا، ومما كانوا يخافون، وماذا أحبو، وكيف انعكست تلك الوقائع علي حياتهم بكل تفاصيلها، فمثلًا، نقراْ في كتب التاريخ أن مدينة ما تعرضت لحرب مثلًا، نحن نعرف الواقعة، ولكن حين نسمع من أحد أبنائها حكاية أمٍّ كانت تنتظر ابنها المحارب الذي لن يعود، أو أن طفلًا كيف كان يرتجف مختبئًا كلما سمع صوت القصف، أو أن شيخًا كهلًا حمل مفتاح بيته الذي غادره قسرًا، هنا يتحول الحدث من معلومة إلى تجربة إنسانية وإلى حياة كاملة، عاشها أناس بلحمهم ودمهم، والحكاية مع ذلك ليست بعيدة عن التاريخ، فهي ملازمة له تمامًا، ولذلك ومن بداية الحضارة الإنسانية وفي المجتمعات القديمة، كانت الأساطير والحكايات الشعبية تؤدي وظيفة تتجاوز التسلية، إذ كانت تقدم تصورًا عن الخير والشر، والشجاعة والجبن. والوفاء والغدر والموت والحياة. والسؤال: لماذا حِفظُ تاريخ الأحداث مهمّ؟ لأنه يحوّل التجارب من “حكايات عابرة” إلى معرفة يمكن الرجوع إليها والاستفادة منها من خلال فهم الحاضر. الكثير من مشاكلنا وقراراتنا الحالية لها جذور في أحداث سابقة، والرجوع للتاريخ يساعدنا أن نفهم “كيف وصلنا إلى هنا”. وعدم تكرار الأخطاء. فعندما نوثّق ما حدث سابقًا نعرف (أسباب الأزمات ونتائجها)، ونقلّل احتمال إعادة الخطأ نفسه دون وعي. تعزيز الهوية والذاكرة الجماعية عبر المحافظة على هوية الشعوب والمؤسسات والأفراد (من نحن؟ وما الذي مررنا به؟). التعلّم واتخاذ قرارات أفضل، فالتاريخ يوفّر “دروسًا” قابلة للتحليل.. ما الذي نجح؟ ما الذي فشل؟ ولماذا؟ العدالة والمساءلة؟ وعبر توثيق الأحداث (خصوصًا في القضايا الكبرى) يساعد في كشف الحقائق، وتوثيق الحقوق، ودعم التحقيقات. وبناء المعرفة والبحث. المؤرخون والباحثون يحتاجون بيانات موثوقة. إذ أن حفظ التاريخ يضمن استمرار البحث العلمي وتطوّر فهمنا. إضافة إلى تثبيت الروايات الموثوقة ومحاربة التضليل، فمع الوقت قد تتغيّر القصص أو تُختلق، والتوثيق يحمي الحقيقة من النسيان أو التحريف. إضافة إلى دور التاريخ الفاعل والروحي في إلهام الأجيال القادمة. فالتذكير بإنجازات الأفراد والجماعات، وكذلك معاناة الماضي، يمكن أن تكون مصدر قوة وتعليم للأجيال الجديدة. وتنوعت طرق حفظ التاريخ، فقبل انتشار الكتابة، كانت الذاكرة الشفاهية هي الأرشيف الحقيقي للمجتمعات. ومع تطور الحضارات وتطور الكتابة، لم تختفي الحكاية، تغيرت أشكالها، وانتقلت من الرواية الشفاهية إلى النقوش، ثم إلى المخطوطات، ثم الرواية والسينما والإذاعة والتلفزيون، حتى وصلت إلى المنصات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، وحافظت مع ذلك كله على جوهرها. ولقد حفظ السرد القصصي التاريخ الاجتماعي، تاريخ الناس العاديين، تفاصيل حياتهم، لغتهم، أزياءهم، طقوسهم، طرق احتفالاتهم وأحزانهم، وعلاقتهم ببعضهم، هذا هو التاريخ الذي لم يظهر لنا في كتب التاريخ، لتظهر هنا واحدة من أعظم مميزات ووظائف السرد القصصي في حفظ الموروث.

والحكاية تحفظ اللغة، فالكلمات القديمة والتعابير الشعبية، والأمثال والأغنيات لم تنتقل لنا عبر الكتب، وإنما سمعناها من أفواه الناس. إن كل حكاية شعبية هي بطريقة ما صندوق صغير يحتفظ بمفردات المجتمع، وطريقة تفكيره ونظرته للحياة، وربما لهذا السبب لم يمت السرد رغم آلاف السنين.

تغيرت الأدوات، من النار التي كانت تجمع الناس حولها إلى شاشة الهاتف التي تجمعهم اليوم، ولكن الحاجة بقيت نفسها: أن نحكي، وأن نسمع، وأن نتذكر، وأن نقول لمن يأتي بعدنا.. كان هنا أناس عاشوا، وأحبوا، وخافوا، وحلموا، وخسروا، وانتصروا، وتركوا شيئًا من أرواحهم في هذه الأرض.

التاريخ يحفظ ما حدث، ولكن السرد يحفظ كيف عاشه الإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds