
أمير الصالح
عزيزي القارئ، هل تتذكر حاصل ضرب ١٢ في ١٢ أو قيمة معدل تسارع الجاذبية على سطح الأرض أو قانون مساحة شبه المعين أو قوانين التكامل والتفاضل أو ما معنى كلمة Rendvous أو كلمة De jevu أو جملة “جنكي ديسكا” اليابانية … إلخ التي تعلمتها في المدرسة أو الجامعة أو أثناء اختصاصك الجامعي أو عند التحاقك بمعهد للغات الأجنبية أو الجمل اليابانية شائعة الاستعمال التي استخدمتها في سفرتك لليابان قبل عدة سنوات؟!
الإجابة ستكون محصورة: بنعم أو لا.
ساضع الإجابة ب: لا تحت المجهر؟
صورة عامة
منحنى النسيان للمعلومة عند الطلاب والطالبات في أي مستوى وأي مجال أضحى تحدي متزايد للجميع وليس للطلاب فقط. وما زاد الأمر تعقيدًا، كثرة المشتتات من جهة وكثرة المعلومات المغلوطة والصور المتداخلة التي تمر على بصر ذلك الباحث / الطالب/ القارئ. والمحصلة احيانًا غياب المعلومة الصحيحة أو نسيان العلم أو أداء دراسي متدهور.
سأناقش في هذا المقال فقط منحنى النسيان وفي مقالات لاحقة سيتم بإذن الله تسليط الضوء على تنقيح المعلومات المتماطرة وإدارتها لفرز الغث من الثمين منها. أما موضوع ضبط النفس من المشتتات ( الجوال/ السوشل ميديا/ التسكع/ التلفزيون / الألعاب الإلكترونية / المغازل / لقطات الرذيلة/ كثرة القروبات الرقمية …الخ) فهذا الموضوع تم طرحه عبر مقالات عدة من عدة كتاب ومتختصين؛ وأتمنى من القراء الجادين الاطلاع على نصائحهم وتبنيها.
الحوار
منحنى النسيان يزيد وضوحًا في حياة الإنسان مع تقدم العمر لشيخوخة الخلايا العقلية بالمخ، أو هكذا يقول بعض العلماء والأطباء؛ ولكن هناك عدد كبير من الشباب والفتيات والرجال والنساء أيضًا يتعرضن لتآكل سريع في الذاكرة، فلماذا؟!
يُقال: كلما طالت المدة دون استرجاع المعلومة واستخدامها في الكلام أو الكتابة او الممارسة الفعلية، كلما زادت احتمالية نسيانها وبالتالي تلاشي الاستفادة منها وتبخرها.
إذن ما هي السبل لتوطين المعلومات النافعة بالذاكرة.
هناك طرق لترسيخ ما نتعلمه لفترة أطول في ادمغتنا ومنها:
١. المراجعة للمادة العلمية على فترات متكررة ومتباعدة
فينصح البعض بالقول: لا تقرأ المادة عشرين مرة في جلسة واحدة. وإنما تدارس المادة بقدر معقول، وعد إليها بعد فترة أي بعد يوم ثم بعد عدة أيام ثم بعد فترة أطول لترسخ في المخ.
فكل مراجعة تُعيد تنشيط المعلومة داخل دماغ القارئ بدلًا من تركها تتلاشى تدريجيًا لعدم إجراء المراجعة الدورية لها . وشخصيًّا أتذكر اشخاصًا خريجي جامعات باللغة الإنجليزية ماتت اللغة على ألسنتهم لانعدام المراجعة. كما إني رأيت أناسًا في ديار الغربة مات القرآن في قلوبهم لعدم المداومة على قراءته.
١. اختبر نفسك بدلًا من إعادة القراءة
أي بعد قراءة معلومة نافعة وتريد ترسيخها بدماغك، أغلق الكتاب، ثم اكتب بأسلوبك الخاص كل ما تتذكره وذا صلة بالمعلومة سواء قانون رياضي أو نص لتعريف مصطلح أو كلمات لغة أجنبية أو شرح طريقة حل رياضية لمسألة ما، أو استدلال منطقي لفكرة معينة أو أدوات إقناع فكرية أو آيات قرآنية. وبعد المقارنة ما كتبته عن ظهر غيب وما هو مدون بالكتاب، ستكتشف الفرق بين حقيقة ما تشعر بانك تمكنت منه وما لم تتمكن من استيعابه. وكرر المحاولة حتى تثبت المعلومة بشكل أجود وفهم أصح في الدماغ.
هذه الطريقة تُعد من أقوى الطرق التي يمكنك اتباعها لتقوية تخزين المعلومة/المعلومات.
نعم، إعادة القراءة بين الحين والحين تجعل المعلومة مألوفة. ولكن الاسترجاع والتوظيف يُجبر عقل الإنسان على الوصول إلى المعلومة بنفسه. وتُصنف هذه الطريقة على انها التدريب الحقيقي للذاكرة.
١. حاول شرح المعلومة لشخص آخر
المجتمعات المتحاسدة تجرد نفسها من نعمة كبيرة وهي نعمة تبادل الخبرات وتدارس الأفكار النافعة والنماذج التجارية/ العلمية الناجعة. ولعل سبب من الأسباب لذلك التحاسد قد يكون الكفر بالنعم أو الإيمان بأن الخير ينفذ بعد العطاء حتى في العلم ونقل التجارب!!! في عالم العلم والمعرفة، العلم يتسع بزيادة العطاء ولذا يُنسب كلمة للامام علي بن أبي طالب (ع): “زكاة العلم تعليمه.”
في هذه الطريقة الثالثة، خذ الفكرة التي تعلمتها واشرحها بأبسط لغة ممكنة للآخرين. فمن خلال استعراض الشرح تترسخ المعلومة أكثر فأكثر في دماغ الشارح لها.
إذا تعثر المتحدث بالفكرة/ المعلومة، أو بدأ باستخدام كلمات صعبة ومعقدة لشرح نقطة ما ولم ينجح في إيصال أفكاره، فقد نجح في تشخيص ثغرة ونقطة الضعف وعليه إعادة الاستذكار من جديد حتى ينجح في تبسيط الشرح للفكرة. وهذا المنهج هو صلب ما يُعرف بتقنية فاينمان Feynman Technique والتي مفادها:
“إذا لم تستطع شرح الفكرة بوضوح كما لو كنت تشرحها لطفل صغير، فقد لا يكون فهمك لها كاملًا بعد”.
لذا، قياس تعلم المتحدث اللبق / الكاتب المتمكن/ القارئ الناجح ليس بعدد الكتب التي قرأها، والندوات التي حضرها، والنياشين المهنية التي يحملها، والروايات التي كتبها، وإنما بقدرته في صياغة الكلم وعمل سردية مقنعة، وبتوصيل الفكرة بأبسط العبارات.
ختامًا
نتمنى لكل الدارسين والطلاب في أية مدرسة/ معهد/ جامعة/ مركز بالتوفيق والنجاح والتفوق. ونتمنى من أبناء مجتمعاتنا وحواضرنا المزيد من التفاعل الإيجابي لري شجرة العلم والمعرفة والأدب والأخلاق والسلوك الحسن عبر المشاركة الفاعلة في الندوات والمحاضرات والكتابات النافعة.





