
السيد فاضل آل درويش
عند الحديث عن مفهوم تحكّم الأنا في مفاصل تصرفات وعلاقات الإنسان ومجمل أوجه حياته، تصل النوبة إلى علاقة مهمة بباب التقوى والخوف من الله تعالى وظهور الآثار المترتبة عليه في طهارة النفس من تغلغل الأهواء و هيمنتها على مواقف الإنسان، إذ التقوى لا تعني مجرد التزام الإنسان ظاهري بالأحكام بالأحكام الشرعية في جانبها العبادي والمعاملاتي فقط، بل هناك جوهر الدين والتدين المتعلّق بالقيم الأخلاقية والتربوية التي يكتسبها الفرد من خلال التزامه بتلك الأحكام، وهذا يعني شمول مفهوم الورع عن محارم الله تعالى إلى مواقف الإنسان وحاكمية القيم الدينية فيها على جميع مواقفه، وتحررها من سلطنة الأهواء والشهوات والانفعالات المتفلّتة التي لا يجني منها الإنسان إلا الخيبة والآثار المخيّبة والخسائر الفادحة عليه في الدنيا والآخرة.
ومن صور التقوى وامتداداتها في حياة الإنسان هو وصولها إلى العقل و انضباطه وفق تلك المنهجية، فالتقوى الفكرية تعني وقوف الفرد بصدق مع الحقيقة أيًّا كانت موقعيتها، فعندما تخالف الحقيقة مزاجه وقناعاته وعاداته يظهر حينئذ عندما يتّبع مع تلك الحقيقة مخالفًا هواه أم ينساق مع هواه ويضربها عرض الحائط، فالدفاع عن قناعته بفكرة أو رأي معين هو من أبسط الحقوق الفكرية للإنسان ما دامت تقع تحت مجهر الاستدلال المنطقي، وما المعيب وغير المقبول هو تسويق التبريرات الواهمة المغلّفة بغلاف الأدلة لإقناع الغير بما يعتقد به ويميل إليه، دون أن يمتلك الشجاعة لتغيير رأيه أو موقفه إذا ثبت له خلاف ما يقتنع به من خلال الدليل، فإن النفس البشرية قد تتعلق بموقف سابق حتى يتحول الرأي عندها حينئذ إلى جزء من هويتها وقناعاتها، دون أن يخضعها لمجهر البحث والتدقيق والتعرّف على المستندات القائمة عليها، فتبدأ في البحث عن التأويلات والأعذار التي تنقذ وتبرّر موقفها القديم بدل البحث عن الحقيقة بمهنية وموضوعية، فيتحول العقل من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى مجرد محام يدافع عن رغبات النفس وأهوائها، وقد نبه القرآن الكريم إلى خطورة اتباع الهوى وتأثيراته على الإنسان، فقال تعالى: ﴿ … فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا .. ﴾{ النساء الآية ١٣٥ }، وهذا يشير إلى أن تكامل عقل الإنسان وبصيرته ووعيه يتوقّف على تحرّر قلبه وعقله من التعصب والاندفاع وراء الأهواء والميول النفسية والعاطفية، فالإنسان – مثلًا – قد يرفض كلامًا صحيحًا لا لثبوت خلافه عنده بسبب ما يمتلكه من أدلة، بل لأن قائله لا ينسجم معه فكريًّا أو عاطفيا فيتحرك في الاتجاه المخالف له، وقد يقبل كلاما باطلا ويعده من المسلّمات غير القابلة للنقاش لأن قائله محبوب لديه، وهذا يكشف أن المشكلة ليست دائمًا في ضعف الدليل وعدم نهوضه في إثبات المدّعى، وإنما قد تكون في ضعف التجرد من الموضوعية والشخصنة أمام الدليل، ولذا فإن معرفة الحقيقة تصبح محطة اختبار للنفس قبل أن تكون اختبارًا للمدركات العقلية، فالتقوى الفكرية تعني أن نقيّم الأفكار بما تمتلكه من أدلة لا بأسماء أصحابها، وأن نزن الأقوال بميزان الحق لا بميزان المحبة والخصومة، كما أنها تعني أن نعترف بالخطأ عندما يتبين لنا مورد الحقيقة دون أن نعد ذلك التراجع عن الفكرة أو الموقف هزيمة أو نقصًا.




