
عماد آل عبيدان
في مايو الماضي خرج بيت من أملاك أسرة الشاعر في القديح ودخل في مايو الماضي، وخرج بيت من أملاك أسرة الشاعر في القديح وانتقلت ملكيته إلى جمعية مضر.. ليبقى نفعه للناس.
وبعد أربعة أشهر تقريبًا.. فعل بيت آخر من الأسرة نفسها الشيء ذاته.
الأول كان للمرحوم راشد بن علي حسين الشاعر وقدّمته أسرته لجمعية مضر الخيرية بالقديح صدقة جارية. ثم جاءت الحاجة فاطمة عبدالله محمد الشاعر بالمنزل الثاني في حي الناصرة.. ليصبح أصلًا يعود ريعه إلى الأسر المتعففة والأيتام والمحتاجين.
منزلان من أسرة واحدة
المرة الأولى تترك أثرها الجميل.. والمرة الثانية تمنح الأولى معنى أكبر. فالفكرة بعودتها من البيت نفسه تبدأ في مغادرة حدود المبادرة الفردية وتجد لها مكانًا في ذاكرة الأسرة وسلوكها.
والبيت في حياتنا أكبر من جدران وسقف وصك ملكية..
نعمل نحن سنوات كي نبنيه ونختار بابه وبلاطه ونوافذه ونزرع عند مدخله وتكبر داخله عائلة وتحفظ زواياه وجوهًا ومواقف وأيامًا لا تدخل في تقييم المكاتب العقارية.
لهذا تبدو هبة المنزل مختلفة..
إذ هناك قطعة من العمر انتقلت مع المفتاح.
ولكن هذا البيت بعد أن خرج من الملكية الخاصة لم ينته دوره..
فقد حصل على وظيفة جديدة..
يأتي ريعه.. فيسد حاجة ويعين أسرة ويرعى يتيمًا، ثم يبقى الأصل في مكانه ليبدأ دورة أخرى من النفع.
وهذه صورة تستحق أن تكبر في القديح.
وللحقيقة والتاريخ.. فإن السبق في التبرع ببيت لجمعية خيرية في المحافظة كان لأحد أهالي القطيف حين قدّم بيت لجمعية القطيف الخيرية. وحفظ هذا السبق لصاحبه يزيد الصورة اكتمالًا، فيما تكتسب تجربة أسرة الشاعر خصوصيتها من عودة الفكرة للمرة الثانية من أسرة واحدة.
فالعمل الخيري يعرف التبرع الذي يصل اليوم إلى محتاج ويؤدي غرضه الكريم ويعرف أيضًا نوعًا آخر من العطاء يستطيع أن يصنع موردًا للغد فبتحول بعض الهبات إلى أصول منتجة.. يصبح المجتمع شريكًا في بناء قدرة جمعيته على الاستمرار.
ومن هنا يأخذ مشروع “الصدقة الجارية” في جمعية مضر معناه الأبعد.. بتحويل العطاء إلى أصل منتج يبقى ويمنح من عائده عامًا بعد عام وهي فكرة تلتقي مع توجه الجمعية نحو الاستدامة المالية ومع مستهدفات رؤية المملكة 2030 في تعزيز أثر القطاع غير الربحي ورفع كفاءته وتنمية موارده.
جمعية مضر الخيرية عاشت مع القديح عقودًا طويلة والمؤسسة التي تحمل احتياجات مجتمعها جيلًا بعد جيل تحتاج إلى موارد تستطيع أن تعيش معها طويلًا..
وهي مسيرة زادت على ستة عقود.. عمر يجعل التفكير في العقود المقبلة جزءًا من استراتيجية الجمعية فخبرة السنوات تحتاج إلى مورد يحمي استمرارها والاستدامة المالية هنا قدرة على مواصلة العطاء وليست مجرد مصطلح إداري.
عقار، أرض، أصل منتج، استثمار مدروس، أو مورد مستدام.
ولا يحتاج الاقتداء بأسرة الشاعر إلى أن يملك كل إنسان منزلًا زائدًا.. ولا إلى أن تكرر الأسر صورة العطاء نفسها فقيمة التجربة أوسع من شكلها بأن ينظر القادر إلى ما بين يديه بعين الأثر وأن تجد الأسرة فيما تملكه مساحة تستطيع أن تمد بها عمر الخير خارج حدودها..
فالاقتداء الحقيقي لا ينسخ الفعل وإنما يلتقط روحه.
وفي الجهة الأخرى تحمل الجمعية أمانة موازية. فالذي يهب أصلًا عزيزًا لا يسلمها عقارًا وحده إذ أنه يضع ثقته معها وحسن إدارة هذه الأصول وتنمية عوائدها ووضوح أثرها يجعل التجربة الواحدة قادرة على فتح الطريق لتجارب أخرى.
الثقة نفسها أصل.
وقد تكون أثمن من العقار.
وما صنعته أسرة الشاعر يستحق ألا يبقى خبرًا جميلًا بين خبرين فالتبرع الثاني أعاد قراءة الأول وكشف أن الفكرة حين تجد من يحملها داخل الأسرة قد تتحول مع الأيام إلى إرث في السلوك.
ومن القديح تستطيع هذه الصورة أن تمتد إلى بقية بلدات القطيف وغيرها.. فكل مجتمع يملك بين أهله قدرات وأصولًا وأفكارًا يمكن أن تتحول بحسن التدبير إلى موارد تخدم أبناءه سنوات طويلة.
وقد يأتي بعد أعوام سجل في جمعية مضر يحمل منازل وأراضي وأصولًا منتجة لكل واحد منها اسم وحكاية فيما تصل عوائدها إلى أناس ربما لم يعرفوا أصحابها يومًا.
هناك تصبح للممتلكات حياة أخرى وللعطاء ذاكرة تمشي بين الأجيال.
أسرة الشاعر وضعت بيتين في الطريق..
وفي القديح متسع جميل.
للبيت الثالث.




