
أمير الصالح
“اطبخ قبل أن تشتري” أو “اشترِ قبل أن تطبخ”.. مقولة يتردد صداها في دهاليز عالم الاستهلاك.
في الواقع، إن نمط إعداد قائمة المشتريات الغذائية للمنزل العائلي عبر القارات ينم عن طبيعة السلوك الاستهلاكي، وطريقة التفكير، وعصارة التجارب الإنسانية. فالاستهلاك الغذائي يختلف باختلاف الجغرافيا الاجتماعية، والمفاهيم السائدة في الوسط المجتمعي، والخبرات المتراكمة.
وفي دول الخليج العربي—وأنا إنسان أعتز بغاية الانتماء لوطني—يميل الفرد إلى شراء السلع الاستهلاكية وتخزينها بكميات ضخمة تكفي لأشهر. ولعل التقارير السنوية الأخيرة الصادرة عن البنوك المركزية بشأن بنود المصروفات، تمنح القارئ الرصين والباحث الفطن أكبر دليل على صعود فاتورة الإنفاق وقوة القدرة الشرائية الموجهة للأطعمة والمشروبات.
تارةً يتم الشراء بدافع العروض الموسمية (مثل خصومات شهر رمضان)، وتارةً أخرى ينطلق من قناعة راسخة بأن “الشراء بالجملة أرخص”، دون تقييم حقيقي للتجربة، أو احتساب للكمية الفعلية المستهلكة، أو تقدير لقيمة التالف والفاسد من الأطعمة.
وشخصياً، تورطت لفترة من الزمن في سلوك استهلاكي سلبي؛ بسبب ولعي وشغفي بالذهاب إلى سوق الخضار في الصباح الباكر، وشراء كميات كبيرة تحت شعار “الجملة أرخص”. حاولت بعد فترة أن أجد أحدًا من الأهل أو الأقارب ليقاسمني فكرة الشراء الجماعي وتوزيع الكميات، ولكنني لم أجد استجابة. فتبنيت فكرة توزيع الفائض هدايا، حتى رأيت بعضهم يأخذ ما أهديه على مضض؛ هنا انصرفت تمامًا إلى دراسة نمط “عقلنة الاستهلاك” في شراء السلع الغذائية.
وللأمانة، كانت زوجتي تؤكد لي مرارًا ضرورة تقليل الكميات المشتراة من سوق الخضار والفواكه، إذ كانت تتألم كثيرًا وهي ترمي الفائض. فالكمية المشتراة كانت تتسع أحيانًا لأشهر من الاستهلاك، وفي الغالب تنتهي تواريخ صلاحية السلع—حتى المعلبة منها—لتكون مفرغة النفايات هي المصير المحتوم لجزء كبير من هذه السلع، وتتبخر معها أموال طائلة. ليصبح واقع الحال: نعم، اشترينا كميات بسعر أرخص، ولكننا خسرنا بالهدر والرمي أكثر بكثير مما وفرناه!
وفي المقابل، وجدت خلال الفترة التي قضيتها في دول القارة العجوز (أوروبا) وبعض مدن أمريكا الشمالية، أن عددًا كبيرًا من الأوروبيين يعتمدون نمطًا مغايرًا في التخطيط والشراء، وقد اكتسبت منهم بعض هذه الطباع؛ فالشراء هناك يتبع الحاجة اليومية، أو يغطي أسبوعًا واحدًا كحد أقصى. ولذلك ترى السوبرماركت يغص بالرواد بعد الساعة الخامسة مساءً (أي بعد انتهاء الدوام الرسمي) للتبضع اليومي.
في الواقع، نجح المستهلك الأوروبي، بفضل وعيه المالي وتخطيطه الاستهلاكي الناضج وما مر به من هزات اقتصادية، في تغيير عقلية التخزين؛ إذ أصبح يرى في “السوبرماركت” المجاور لمحل إقامته ثلاجة ضخمة ومستودعًا مجانيًّا لحفظ أطعمته، دون أن يدفع فاتورة كهرباء لثلاجات إضافية في منزله، ودون أن يستقطع جزءًا من مساحة شقته للتخزين! ولم يكن الأوروبيون—وخاصة الألمان والهولنديين—يلجؤون لتخزين السلع الغذائية إلا عند وجود بوادر حرب جمركية أو نذر نزاع فعلي.
وقد قادني نقاش دار بيني وبين أحد الأصدقاء الأوروبيين قبل عدة سنوات، إلى إعداد قائمة مشتريات (يومية – أسبوعية – شهرية) بشكل شبه رسمي. وأود أن أشاطر القراء الكرام الخطوط العريضة لهذه القوائم لإدارة ثلاجة المنزل ومستودع الغذاء بكفاءة: خطة إدارة المشتريات الاستهلاكية1. المشتريات شبه اليومية (الطازجة):الخبز الأسمر. الحليب. الأسماك والروبيان (يتم شراؤها في يوم الطبخ والاستهلاك نفسه) .2. المشتريات الأسبوعية:الخضار الأساسية (طماطم، بصل، بطاطس).الفواكه والفواكه الموسمية.الأجبان والزيتون (بالوزن حسب الحاجة).اللحوم البيضاء (الدجاج).اللحوم الحمراء (لحم وضأن/ كبدة).المعجنات والمكرونة والطحين .3. المشتريات الشهرية (المواد الجافة والمعلبات):المكسرات والبقوليات (عدس، حمص، فاصوليا… إلخ).الزيوت (زيت الطبخ وزيت الزيتون).المعلبات (مثل صلصة الطماطم للبيتزا).البهارات والتوابل.المنبهات (القهوة والشاي).حتمًا هناك أصناف أخرى لم تُذكر، ولكن ما أوردته هنا جاء بالاختصار لإنعاش الفكرة في عقول أرباب الأسر والمسؤولين عن الإدارة المالية والتخطيط المنزلي الناجح. وما عزز نضج هذه الفكرة في رأسي هو أنني “طبخت عدة مرات قبل أن أشتري السلع”، فلامست الأمور بعين الواقع المعيش، ونجحت بعد ذلك في أن “أشتري بناءً على ما ستطبخه زوجتي”، الأمر الذي غير الكثير من عاداتي وأنماطي الاستهلاكية السابقة.





