
يوسف الطويل
كنت أمرّ من أحد الشوارع على ركن قريب من البيت، فأرى امرأة تجلس تحت الشمس، بعباءتها وغطائها الأسود، وأمامها كرتونان من الماء.
مشهد بسيط، ولكنه كان كافيًا ليحرّك شيئًا في داخلي.
امرأة تجلس في هذا الحر لتبيع كرتونين من الماء!
توقفت عندها، اشتريت منها، وأعطيتها عشرة ريالات زيادة على سعر الماء.
لم تكن الريالات العشرة ثمنًا للماء، ولم أتوقف يومها لأحسب ربحها وخسارتها.
كل ما دار في بالي: حرام… خذي هذه الزيادة، وخلاص قومي وارجعي بيتكم.
ومشيت وأنا أشعر أنني فعلت شيئًا طيبًا.
ولكنني مررت مرة أخرى…
فوجدتها هناك.
انتهى الماء؟ جاء ماء جديد.
وفي مرات أخرى تغيّرت البضاعة.
مرة مناديل.
ومرة كيس بطاطس.
ومرة كيس بصل.
واللافت أن البضاعة التي أمامها غالبًا قليلة؛ فإذا انتهت، جاءت كمية أخرى.
وهناك مشهد آخر تكرر أمامي أكثر من مرة وزاد أسئلتي.
كنت أرى شخصًا يأتي إليها بسيارة حديثة من نوع SUV ، ينزل لها البضاعة ثم يغادر.
لا أعرف من يكون؛ زوجها، ابنها، أو شخصًا آخر.
ولا أستطيع أن أحكم على حال إنسان من السيارة التي يركبها. قد تكون ملكه، أو بالأقساط، أو حتى ليست له.
ولكن السؤال الذي بدأ يشغلني لم يكن عن السيارة أصلًا.
كان عن كيس البطاطس.
كم يمكن أن يكون الربح في كيس بطاطس واحد؟
وكم يكون الربح في كيس بصل، أو علبة مناديل، أو كرتونين من الماء؟
هل يعقل أن تخرج امرأة من بيتها، وتجلس ساعات في الشمس، من أجل بضعة ريالات هي هامش الربح في هذه البضاعة البسيطة؟
هنا تذكرت الريالات العشرة التي أعطيتها لها في المرة الأولى.
وفهمت أنني يومها لم أشترِ الماء فقط.
لقد دفعت أيضًا ثمن المشهد.
الشمس…
العباءة السوداء…
البضاعة القليلة…
وامرأة تجلس في الحر أمام كرتونين من الماء.
كل ذلك جعلني أدفع أكثر من سعر السلعة.
وهنا انقلب السؤال عليّ أنا:
عندما أعطيتها عشرة ريالات زيادة، وقلت في نفسي: خذيها وارجعي بيتكم… هل كنت أساعدها فعلًا على أن تعود إلى بيتها؟
أم أنني، من حيث لا أشعر، أعطيتها سببًا يجعل الجلوس في المكان مجديًا؟
أنا لا أعرف ظروف هذه المرأة، ولا أعرف مقدار حاجتها، ولا أتهمها بالتحايل أو استدرار العطف.
قد تكون محتاجة فعلًا.
وقد يكون هذا هو باب رزقها الوحيد.
وقد تكون هناك تفاصيل في حياتها لا أعرف عنها شيئًا.
ولذلك ليس من حقي أن أحاكمها من مشهد رأيته في الشارع.
ولكن من حقي أن أراجع تصرفي أنا.
فنحن أحيانًا لا ندفع لأن السلعة تستحق ما دفعناه، بل لأن المشهد الذي أمامنا حرّك عاطفتنا.
وهنا يصبح الفرق مهمًا:
إذا أردت أن أشتري، أشتري السلعة بسعرها.
وإذا أردت أن أتصدق، أحاول قدر استطاعتي أن أبحث عمّن أعرف حاجته، وأعطيه بكرامة.
أما أن أخلط بين الاثنين، فقد أظن أنني بعشرة ريالات إضافية أساعد إنسانًا على ألا يعود غدًا إلى الشمس…
بينما قد أكون، من حيث لا أشعر، أحد الأسباب التي جعلته يعود إليها.
ومن يومها بقي عندي سؤال كلما رأيت بضاعة قليلة ومشهدًا يستدر العاطفة:
هل نحن نشتري ما أمامنا فعلًا… أم نشتري المشهد؟





