أقلام

حين يرتّب القرآن الإنسان

أحمد الطويل

مقدمة:

ليس كل ما نعرفه يغيّرنا، وليس كل حقيقة نؤمن بها تجد طريقها إلى حياتنا. فقد يعرف الإنسان ما ينفعه وما يضرّه، ويؤمن بالموت والآخرة، ويدرك ضعفه وحاجته، ثم يعيش أحيانًا وكأن شيئًا من ذلك لا يعنيه.

ولعل المشكلة ليست دائمًا في نقص المعرفة، وإنما في ترتيبها داخل الإنسان؛ فما الذي يأتي أولًا حين يفكر؟ وما الذي يطغى على ما سواه حين ينظر إلى الحياة؟ وأي حقيقة تصبح مركزًا تدور حوله بقية الحقائق؟

ومن هنا يمكن أن نقرأ القرآن من زاوية مختلفة: لا بوصفه كتابًا يضيف إلى الإنسان معلومات جديدة فحسب، بل بوصفه كتاب هداية يعيد ترتيب ما في داخله، حتى يرى الأشياء بأحجامها الحقيقية.

وكأن القرآن لا يريد أن يخبر الإنسان عن الحقيقة فقط، بل يريد أن يضع كل حقيقة في موضعها.

فماذا يحدث للإنسان حين يبدأ القرآن بإعادة ترتيب نظرته إلى الأشياء؟

حين يوقظ القرآن السؤال

من أكثر ما يلفت النظر في القرآن أن بعض آياته لا تبدأ بإعطائك الجواب، وإنما تدفعك أولًا إلى أن تسأل. والسؤال هنا ليس فراغًا ينتظر أن تملأه الإجابة، بل قد يكون اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان بالخروج من يقينه السطحي إلى وعي أعمق بالحقيقة.

ولهذا تتكرر في القرآن أسئلة يعرف الإنسان جوابها قبل أن يسمعه، ومع ذلك يُسأل: “أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ”، و”هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ”، و”فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ”.

فما الذي يريده القرآن من سؤال يعرف الإنسان جوابه أصلًا؟

ربما يريد منه أن يتوقف.

فقد يعرف الإنسان أن الله أحكم الحاكمين، لكن هل يطمئن إلى حكمه حين تأتيه الحياة بما لا يريد؟ وقد يعرف أن الإحسان لا يضيع، ولكن هل يبقى محسنًا حين لا يرى جزاءً؟ وقد يعرف أن للطريق اتجاهًا، ثم يسمع: “فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ”، فيكتشف أن السؤال لم يكن عن معلومة يجهلها، وإنما عن حال يعيشها وطريق يسلكه.

وهنا تظهر المسافة بين أن تعرف الحقيقة وبين أن تعيش على أساسها.

فالقرآن لا يكتفي بأن يضع الحقيقة أمام عينيك، بل قد يعيدها إليك في صورة سؤال؛ لأن السؤال يجعلك طرفًا في القضية. أنت الذي يجب أن تنظر، وأنت الذي يجب أن تراجع نفسك، وأنت الذي يجب أن تجيب.

ولعل هذا يفسر جانبًا من قوة الأسئلة القرآنية؛ فهي لا تغلق المعنى، وإنما تفتحه داخل الإنسان. والسؤال الذي كان في البداية جملة تقرؤها، قد يتحول بعد لحظة تدبر إلى شيء آخر: مراجعةً لنفسك.

وحين يصل السؤال إلى هذه المرحلة، لا يعود الإنسان يقرأ الآية كما كان يقرأها من قبل؛ لأن السؤال لم يعد خارجَه، بل أصبح داخله.

لكن إذا كان القرآن يوقظ السؤال في الإنسان، فهناك ما هو أبعد من السؤال نفسه: ماذا يحدث حين تتغير الطريقة التي يرى بها الإنسان الأشياء؟

حين يغيّر القرآن زاوية النظر

قد لا يحتاج الإنسان دائمًا إلى أن يرى شيئًا جديدًا حتى تتغير رؤيته للحياة؛ أحيانًا يكفي أن ينظر إلى الشيء نفسه من زاوية أخرى.

وهذا من أكثر ما يلفت النظر في الخطاب القرآني. فالقرآن يأخذ أشياء نعيشها كل يوم، ثم يعيد تقديمها إلينا بطريقة تجعل المألوف جديرًا بالتأمل. الموت الذي نعرف أنه قادم يصبح تذكيرًا بحدود الإنسان، والرزق الذي نعدّه نتيجةً لجهدنا وحده يصبح سؤالًا عن مصدر النعمة، والدنيا التي تبدو ممتدةً أمامنا تصبح مرحلةً قصيرةً حين توضع إلى جوار الآخرة.

المشهد لم يتغير، ولكن موقع الإنسان منه تغيّر.

وحين يقول القرآن: “أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ۝ أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ”.

فهو لا يخبر الإنسان فقط بحقيقة الخلق؛ إنه يعيد ترتيب علاقته بما يظنه ملكًا له.

وحين يقول: “أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ۝ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ”.

لا يلغي عمل الإنسان، وإنما يضع هذا العمل في موضعه الصحيح: أنت تعمل، لكنك لست الخالق.

وهكذا يمكن للقرآن أن يأخذ الفعل اليومي نفسه، ثم يفتح فيه نافذة على معنى أكبر.

فالإنسان يزرع، ولكن القرآن يسأله عن الزرع. ويشرب الماء، لكن القرآن يسأله عن الماء. ويموت الناس من حوله، لكن القرآن يعيده إلى السؤال عن الموت. وكأن الأشياء التي اعتاد أن يمر عليها دون توقف تصبح فجأة رسائل مفتوحة أمامه.

وهنا تبدأ إعادة الترتيب بصورة أكثر وضوحًا؛ لأن تغيير زاوية النظر يغيّر قيمة الأشياء في النفس.

ما كان يبدو كبيرًا قد يصغر، وما كان يبدو بعيدًا قد يقترب، وما كان يبدو مضمونًا قد يظهر بوصفه نعمةً قابلةً للزوال. والإنسان نفسه، الذي قد يرى قدرته واستقلاله مركزًا لحياته، يجد القرآن يعيده مرةً بعد أخرى إلى حقيقة العبودية والافتقار.

ولكن القرآن لا يغيّر زاوية النظر لمجرد التأمل.

فالإنسان حين يرى الأشياء على حقيقتها، يبدأ في إعادة النظر في ما يستحق أن يكون أولًا في حياته.

وهنا يصبح السؤال أكبر من: كيف أرى؟

ليصبح: ما الذي ينبغي أن أضعه أولًا؟

حين يعيد القرآن ترتيب الأولويات

حين تتغير زاوية النظر، لا تبقى الأشياء في أماكنها القديمة. فما نراه من بعيد قد يبدو متساويًا، لكن حين نقترب تتفاوت الأشياء في قيمتها، ويكتشف الإنسان أن كثيرًا مما كان يملأ حياته لم يكن بالضرورة يستحق أن يحتل كل ذلك المكان فيها.

وهنا يأخذ القرآن الإنسان من مرحلة المعرفة إلى مرحلة الميزان؛ فلا يسأله فقط عما يعرف، وإنما يضع أمامه ما ينبغي أن يكون أكبر في عينه وأقرب إلى قلبه.

يقول تعالى: “بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۝ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى”.

فالآية لا تنكر الحياة الدنيا، ولا تطلب من الإنسان أن يخرج منها، وإنما تكشف الخلل حين تتحول المرحلة إلى غاية، والمؤقت إلى دائم، والوسيلة إلى مقصد.

وهذا المعنى يتكرر في مواضع كثيرة من القرآن، حتى يبدو أن جزءًا من الهداية هو أن يتعلم الإنسان كيف يضع الأشياء في أحجامها الحقيقية.

المال نعمة، ولكنه ليس قيمة الإنسان. والقوة قدرة، لكنها ليست سببًا للخلود. والعلم فضيلة، لكنه لا يغني عن الهداية. وحتى الحياة نفسها، بكل ما فيها من رغبات ومشاغل وانتصارات وخسارات، ليست إلا جزءًا من طريق أطول.

ولذلك حين يقول القرآن:

“اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ”.

فإنه لا يصف الدنيا بوصف واحد، بل يكشف كيف تتدرج الأشياء في عين الإنسان حتى تستولي عليه؛ تبدأ لعبًا، ثم تصبح لهوًا، ثم زينة، ثم تفاخرًا، ثم تكاثرًا.

وكأن المشكلة ليست في وجود هذه الأشياء، وإنما في اللحظة التي تنتقل فيها من كونها شيئًا في حياتك إلى كونها حياتك كلها.

وهنا يصبح القرآن أشبه بميزان يعيد للأشياء مواقعها.

لا يقول لك إن المال لا قيمة له، بل يسألك: ما قيمته إذا أصبح أغلى عندك من الحق؟ ولا يقول إن الإنسان لا ينبغي أن يحب أهله، بل يذكّره أن الحب نفسه لا ينبغي أن يتحول إلى سبب للابتعاد عن الله. ولا يطلب منك أن تهجر الدنيا، وإنما يحذرك من أن تجعلها هي التي تحدد لك معنى النجاح والخسارة.

ولعل أخطر ما يعيد القرآن ترتيبه هو مفهوم الإنسان عن نفسه.

فالإنسان قد يقيس نفسه بما يملك، أو بما أنجز، أو بما يراه الناس فيه، بينما يعيده القرآن إلى ميزان آخر.

يقول تعالى: “إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ”.

فينتقل معيار القيمة من الصورة التي يصنعها الإنسان لنفسه أمام الناس إلى الحقيقة التي يعلمها الله عنه.

وهنا تصل عملية الترتيب إلى نقطة حساسة؛ لأن الإنسان لم يعد يكتفي بأن يرى الأشياء بطريقة مختلفة، بل بدأ يكتشف أن عليه أن يعيد النظر في نفسه أيضًا.

فما الذي يبقى بعد أن تتغير الأسئلة، وتتبدل زاوية النظر، وتستقر الأشياء في مواقعها الحقيقية؟

يبقى الإنسان أمام لحظة لا يستطيع فيها أن يكتفي بالفهم.

فما رتّبه القرآن في عقله وقلبه، لا بد أن يظهر يومًا في حياته.

وهنا ينفتح سؤال آخر: ماذا يفعل الإنسان بما أعاد القرآن ترتيبه فيه؟

ويبقى السؤال

ربما لهذا لا تنتهي علاقتنا بالقرآن عند آخر آية نقرؤها. فلو كان القرآن كتابًا يمنحنا معلومات فقط، لكفى أن نعرف، ثم نمضي. لكن القرآن يترك في الإنسان شيئًا لا تنهيه القراءة؛ سؤالًا يعود إليه كلما ظن أنه وصل، ومراجعةً تجعله يعيد النظر في نفسه وفي الأشياء التي أعطاها أكبر من حجمها.

بدأنا بالسؤال: هل يرتب القرآن أفكاره فقط، أم يرتب الإنسان الذي يقرأه؟

ثم رأينا كيف يوقظ السؤال، وكيف يغيّر زاوية النظر، وكيف يعيد للأشياء مواقعها في النفس، وكيف يضع الإنسان أمام ميزان جديد يرى به الدنيا ونفسه وقيمته.

لكن ربما كان أعظم ما يفعله القرآن أن يجعل الإنسان يعود إلى نفسه.

فبعد كل آية، وبعد كل قصة، وبعد كل وعد ووعيد، يبقى هناك ذلك الإنسان الذي سيغلق المصحف ويعود إلى حياته؛ إلى قراراته التي لا يراها أحد، وإلى رغباته التي يخفيها، وإلى الأشياء التي أعطاها أكبر من حجمها، وإلى الحقائق التي يعرفها، لكنه لم يجعلها بعدُ مركزًا لحياته.

وهنا لا يعود السؤال: ماذا فهمت من القرآن؟

بل يصبح السؤال أكثر قربًا وأشد مسؤولية: ماذا غيّر القرآن فيك؟

قد نقرأ السورة نفسها مرات، ونحفظ آياتها، ونعرف تفسيرها، ثم نكتشف بعد سنوات أن آيةً واحدة كانت تنتظر في داخلنا حتى نصل إليها.

وربما لا يكون هذا لأن القرآن تغيّر، وإنما لأن الإنسان الذي يقرأه يتغير، فتتغير الأشياء التي يرى فيها نفسه.

ولهذا قد يكون أجمل ما في التدبر أنه لا يمنحك دائمًا راحة الإجابة؛ أحيانًا يمنحك سؤالًا لا يتركك كما كنت.

فإذا أغلقت المصحف اليوم، وبقي في داخلك سؤال واحد فقط، فربما لم تنتهِ القراءة بعد.

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا، لا أن نجيب عنه الآن: بعد أن رتّب القرآن كل هذا أمامي، ماذا رتّب فيَّ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds