أقلام

رَخصَ اللحم … وضاع المَرَق

حسين الحاجي

يقول المثل الشعبي : من تراخص باللحم خانه المرق وهي حكمة لا تقف عند الطعام ، فقد نختار أحياناً أسهل الحلول وأسرعها ثم نكتشف أن ما كسبناه في لحظة دفعنا ثمنه لاحقاً في شيء أثمن ، ولعل من أوضح صور ذلك اليوم ما يحدث داخل بعض بيوتنا حين يصبح الهاتف أسرع وسيلة لإشغال الأبناء وأقصر طريق إلى الهدوء .

طفل يبكي في المطعم فنعطيه الشاشة وآخر يضيق بالجلوس في السيارة فنفتح له مقطعاً وثالث يريد أن يحدثنا فنطلب منه الانتظار ونضع الهاتف في يده ، يهدأ المكان وينشغل الطفل ونظن أن المشكلة انتهت ، بينما قد تكون بدأت للتو .

الهاتف ليس عدواً والتقنية ليست المشكلة ، وإنما الخلل حين تأخذ الشاشة مكان الحديث واللعب والسؤال والجلوس العائلي ، فالطفل الذي اعتاد الترفيه الجاهز قد يصعب عليه الصبر على الملل والذي يأكل وعينه على الشاشة قد يجلس إلى المائدة دون أن يشارك أهله حديثاً .

ومن المفارقات أن بعض الأسر تجتمع في المكان وتتفرق في الانتباه ، أب يتصفح وأم تتابع وأبناء لكل واحد منهم عالمه الخاص ، لا خصومة بينهم ولا مشكلة ظاهرة لكن شيئاً ثميناً ينسحب بهدوء : الألفة التي تُبنى من سؤال صغير وضحكة عابرة وحكاية مدرسية وحديث لا يحتاج إلى مناسبة .

وتصبح المسألة أكثر حساسية كلما كبر أبناؤنا ، فمَن لا يجد في البيت أذناً تسمعه سيبحث غالباً عمن يسمعه خارجه وقد يجد خلف الشاشة مَن يبدو أقرب إليه منا . وهناك تتشكل اهتماماته وأفكاره عن النجاح والعلاقات والحياة ثم نستغرب يوماً كيف أصبح بعيداً عنا وهو يعيش تحت سقفنا .

ونحن نحرص على طعام أبنائنا ومدارسهم وملابسهم ، لكننا قد نتساهل فيما يدخل عقولهم ، نسأل : ماذا أكل؟ وكيف كان يومه؟ ولا نسأل : ماذا شاهد؟ ومن يتابع؟ وما الفكرة التي نام وهي تدور في رأسه؟

والحل ليس في مصادرة الهواتف ولا إعلان الحرب على التقنية بل في إعادة ترتيب الأدوار : مائدة تستعيد الحديث ووقت عائلي بلا شاشات وأن نستمع إلى أبنائنا قبل أن ننصحهم ، ولا يكفي أن نطلب منهم ترك هواتفهم بينما لا نفعل نحن ذلك ، فالقدوة أبلغ من التعليمات .

فالعلاقات لا تضيع دائماً بخطأ كبير ، قد تتآكل بتنازلات صغيرة تتكرر حتى تصبح عادة .

ختاماً ، قد نكتشف متأخرين أننا كسبنا هدوء أبنائنا لدقائق لكننا خسرنا حديثهم معنا لسنوات .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى