
منهال الجلواح
في مسار العلاقات الإنسانية، تمرّ على الفرد خلافات كثيرة، بعضها يُطوى سريعًا، وبعضها يتضخّم بصورة غير متوقعة. فهناك أشخاص لا يكتفون بأن يعيشوا الخصومة في حدودها الطبيعية، بل يسعون إلى توسيع دائرتها، واستدعاء الآخرين ليكونوا أبواقًا تردّد روايتهم، وتضخّم مظلوميتهم، وتعيد صياغة القصة بما يخدم حضورهم لا بما يعكس الحقيقة.
هؤلاء لا يرون الخلاف حدثًا شخصيًا، بل فرصة لإقامة حشدٍ صغير يلتف حولهم، ويمنحهم شعورًا زائفًا بأنهم على حق، وأنهم لم يقفوا وحدهم في ساحة المواجهة.
تبدأ القصة غالبًا بخلاف بسيط، موقف يمكن تجاوزه أو احتواؤه. لكن الطرف الآخر يغادر مساحة الحوار المباشر ويهرب من المواجهة، ليبدأ سردًا موازيًا لدى الآخرين: “تدرون وش صار؟” “تخيلوا اللي قاله؟” “أنا أبدًا ماتوقعت يسوي كذا…” وهكذا يتحوّل خلافٌ كان بين شخصين إلى قضية جماعية، لأن أحدهما قرر أن يستخدم الآخرين كأدواتٍ لإعادة بثّ روايته، وكأنهم مكبّرات صوت تُشغَّل عند الحاجة.
وفي بيئات العمل، يتكرّر المشهد بصورة أكثر وضوحًا. يختلف موظف مع زميله حول مهمة أو قرار، فيبدأ بجمع شهادات من هنا وهناك، ويقدّم روايته على أنها الحقيقة الكاملة. وفي غياب وانشغال الطرف الآخر، تتشكّل صورة مشوّهة لا علاقة لها بجوهر الخلاف. هنا لا يكون الهدف تطوير العمل أو تحسين الأداء، بل كسب التصفيق وتوسيع دائرة التأثير عبر أصواتٍ تردّد ما يريد قوله.
وفي الحياة الاجتماعية، تتخذ الظاهرة شكلًا آخر. يحدث أن يختلف شخصان في مناسبة أو موقف عابر، فيقرر أحدهما أن يروي القصة في مجلسٍ عام، مضيفًا إليها (بعض البهارات الهندية) لتبدو أكثر إثارة.
وفي لحظات قليلة، يتحوّل الخلاف إلى “حكاية” يتداولها الجميع، رغم أن معظمهم لا يعرفون أصلها ولا تفاصيلها. هكذا يصبح الآخرون أبواقًا غير واعية، تردّد ما سمعته دون أن تدرك أنها جزء من حملة تعبئة لا علاقة لها بالحقيقة.
وفي محيط الأصدقاء، قد يحدث أن يتباعد صديقان بسبب سوء فهم بسيط، فيلجأ أحدهما إلى مجموعة الأصدقاء المشتركة ليعيد سرد القصة بنبرة انكسار أو غضب، فيتحوّل الخلاف إلى استفتاء جماعي حول من المخطئ ومن المصيب. ومع الوقت، تتشكّل صورة غير عادلة للطرف الغائب، فقط لأن الآخر امتلك الجرأة على رواية القصة أولًا، وبالطريقة التي تخدمه.
حتى في العائلة، يحدث أن يختلف اثنان حول أمرٍ بسيط، فيقرر أحدهما أن يستدعي الجميع: العم، الخال، أبناء العمومة… ويبدأ بسرد القصة بنبرة (مظلومية)، ويضيف عليها ما يكفي لتصبح أكبر من حجمها الحقيقي. في هذه اللحظة، يتحوّل الخلاف من مسألة شخصية إلى اجتماع تعبئة وإعلان ( النفير العام ) ، تُستخدم فيه الأصوات العائلية كأبواقٍ تردّد ما قيل لها دون أن تعرف الحقيقة كاملة.
من منظورٍ نفسي، يكشف هذا السلوك هشاشة داخلية لدى من يمارسه: خوف من المواجهة الفردية، حاجة عالية للتقدير الخارجي، رغبة في السيطرة على الرواية، ونزعة للتهويل والدراما.
هؤلاء لا يريدون الحقيقة، بل يريدون أن ينتصروا أمام جمهور، حتى لو كان الجمهور مجرد أصوات تُستخدم ثم تُنسىى.
ورغم ذلك، يبقى التعامل معهم ممكنًا. فالحكمة تقتضي مواجهة الشخص نفسه لا جمهوره، وعدم الانجرار إلى دائرة التبرير للجميع، فالحقيقة لا تحتاج إلى مكبّرات صوت. كما أن الهدوء يبقى السلاح الأقوى في مواجهة الضجيج، والزمن وحده كفيل بأن ينحاز للصدق، ويكشف ما حاول البعض إخفاءه خلف الأصوات المجيّشة.
في النهاية، العداوة ليست المشكلة، فالخلاف جزء من الحياة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحوّل الخصومة إلى عداوة بصدى جماعي، وحين يستخدم البعض الآخرين كأسلحة حرب نووية تردّد ما يريدون قوله، وتضخّم ما يريدون إظهاره، وتخفي ما لا يناسب روايتهم. فالإنسان الناضج يواجه، يناقش، يعتذر، ويُصلح. أما من يجيّش الآخرين، فهو لا يبحث عن الحقيقة، بل عن شعورٍ مؤقت بالانتصار، حتى لو كان ذلك على حساب العلاقات والاحترام والصدق.
همسة خاصة
لا تُرهق قلبك في ملاحقة الأصوات التي تتحدث عنك… فالصدى مهما علا، يبقى مجرد تكرارٍ لصوتٍ واحد. امضِ بثباتك، ودع الحقيقة تعمل بصمتها الطويل.
#مستشار تدريب وتطوير




