
يوسف الطويل
خلال شهر واحد، مرّ الموت قريبًا مني أكثر مما اعتدت.
رحلت أمي، ثم خالي، ثم خالتي… ثلاثة إخوة من عائلة واحدة غادروا الدنيا واحدًا بعد الآخر خلال شهر واحد.
واليوم، وبينما ما تزال مشاهد تلك الوداعات حاضرة في ذهني، وصلتني رسالة من أحد أصدقائي ينعى فيها أمه.
توقفت عند الرسالة طويلًا.
أربعة أخبار موت في فترة قصيرة؛ ثلاثة منها في أسرتي، والرابع لأم صديق عزيز.
وفي كل مرة تتكرر الكلمات نفسها:
مات… توفي… انتقل إلى رحمة الله.
ولكن هذه المرة توقفت عند كلمة واحدة:
مات.
نعرف ماذا نفعل عندما يموت الإنسان: نغسله، ونكفنه، ونصلي عليه، ونحمله إلى قبره.
ولكن هل نعرف فعلًا ماذا حدث له حتى أصبح ميتًا؟
ما الموت؟
قد تبدو الإجابة بدهية:
الموت هو انتهاء الحياة.
ولكن هذه الإجابة لا تحل المشكلة، بل تنقلها إلى سؤال أصعب:
وما الحياة؟
ومن هنا بدأ هذا البحث.
مشكلة البحث
نحن نستعمل كلمتي (الحياة) و(الموت) باستمرار وكأن معناهما محسوم.
فالإنسان الذي يتنفس ويتحرك ويستجيب لما حوله نصفه بأنه حي، وعندما تتوقف وظائفه الحيوية وفق المعايير الطبية المعتمدة نقول إنه مات.
ولكن وصف علامات الحياة والموت لا يجيب بالضرورة عن سؤال آخر أكثر عمقًا:
ما الذي يجعل الكائن حيًا أصلًا؟ وما الذي يفقده عندما يموت؟
وتزداد المسألة تعقيدًا عندما ندخل النص القرآني؛ فالقرآن يتحدث عن الحياة والموت، وعن النفس والروح، وعن الوفاة والنوم، ولا تبدو هذه الألفاظ جميعًا مترادفات لشيء واحد.
ومن هنا جاءت الحاجة إلى تفكيك هذه المفاهيم قبل محاولة تعريف الموت.
السؤال البحثي
ينطلق هذا البحث من سؤال رئيس:
ما الموت؟ وما الذي يحدث للإنسان عند انتقاله من حالة الحياة إلى حالة الموت؟
ويتفرع منه عدد من الأسئلة:
ما الحياة أصلًا؟
هل الحياة مجرد مجموعة من الوظائف البيولوجية؟
هل الطاقة هي الحياة؟
ما العلاقة بين الجسد والنفس والروح؟
هل الموت هو الوفاة، أم أن بينهما فرقًا؟
وهل تحديد الطب للموت يجيب أيضًا عن سؤال ماهية الموت، أم أنه يجيب عن سؤال مختلف؟
*منهج البحث*
لن ننطلق من إجابة دينية جاهزة ثم نحاول البحث عما يؤيدها في العلم، كما لن نفترض أن التعريف الطبي للموت قادر وحده على الإجابة عن الأسئلة الفلسفية والقرآنية المتعلقة به.
سنضع النص القرآني، واللغة، والتفسير، وما توصل إليه العلم والطب حول الحياة والموت، كلًّا في مجاله، ثم نحاول معرفة أين تلتقي هذه المجالات، وأين تختلف الأسئلة التي يجيب عنها كل منها.
ولهذا لن يكون هذا البحث في مقال واحد.
(ما الموت؟) سلسلة من الحلقات نحاول فيها الاقتراب خطوة بعد أخرى من مفهوم نظن أننا نعرفه، وربما نكتشف أننا نعرف علاماته أكثر مما نعرف حقيقته.
ونبدأ في هذه الحلقة بالسؤال الذي لا يمكن تجاوزه:
ما الحياة؟
*الحياة… هل نعرف تعريفها؟*
عندما نسأل عن الحياة قد نجيب بسرعة:
الكائن الحي يتغذى، وينمو، ويتكاثر، ويستخدم الطاقة، ويستجيب لما حوله، ويحافظ على توازنه الداخلي.
وهذه بالفعل من الخصائص التي يعتمد عليها العلم في تمييز الكائنات الحية.
ولكن السؤال الذي يهمنا هنا مختلف قليلًا:
هل هذه الخصائص هي الحياة نفسها؟
أم أنها مظاهر تدل على وجود الحياة؟
الفرق بين السؤالين كبير.
حتى في العلوم الحديثة، ليس وضع تعريف جامع مانع للحياة أمرًا بسيطًا. ومن التعريفات العلمية العملية المتداولة تعريف الحياة بأنها (نظام كيميائي ذاتي الاستدامة قادر على التطور الدارويني)، وهو تعريف عملي مشهور في أبحاث علم الأحياء الفلكي، ومع ذلك تبقى له حدود وحالات إشكالية، مثل الفيروسات.
وهذا يعني أن السؤال الذي نطرحه ليس فلسفة لغوية مجردة؛ فالعلم يستطيع أن يصف خصائص الحياة بدقة كبيرة، بينما يبقى تعريف الحياة ذاته موضوعًا للنقاش.
تجربة الروبوت
لنجرب تجربة ذهنية.
تخيل أننا صنعنا روبوتًا متطورًا جدًا.
يتحرك بنفسه، ويرى ما حوله بواسطة الحساسات، ويتعرف إلى الأخطار ويتجنبها، ولديه مصدر ذاتي للطاقة، ويستطيع إصلاح بعض أعطاله، بل ويستطيع أن يصنع روبوتًا آخر مثله.
لقد أعطيناه الحركة، والطاقة، والاستجابة للبيئة، والمحافظة على نفسه، بل وحتى صورة من صور التكاثر.
فهل أصبح حيًا؟
إذا كانت الإجابة: لا، فالسؤال يصبح أكثر إثارة:
ما الذي ينقصه؟
ومن اللافت أن بعض الظواهر غير الحية يمكن بالفعل أن تمتلك بعض خصائص الكائنات الحية دون أن يجعلها ذلك، بالضرورة، كائنات حية.
وهنا يظهر الفرق بين سؤالين:
ماذا يفعل الكائن الحي؟
ما الذي يجعله حيًا؟
هل الحياة طاقة؟
قد يخطر لنا أن الحياة هي نوع من الطاقة الموجودة في الكائن الحي.
فالإنسان يحتاج إلى الطاقة لكي يتحرك، والقلب والخلايا والأعضاء تحتاج إليها لأداء وظائفها.
لكن الطاقة موجودة كذلك في الأشياء غير الحية.
ويمكن أن نزود آلة بالطاقة باستمرار دون أن تصبح كائنًا حيًا.
إذن الطاقة شرط أساسي لاستمرار العمليات الحيوية، لكنها لا تكفي وحدها لتعريف الحياة.
ويبقى السؤال:
ما العنصر الذي يجعل المادة الحية مختلفة عن آلة شديدة التعقيد تؤدي الوظائف نفسها؟
الجسد… قبل الحياة
عند هذه النقطة يلفت القرآن النظر إلى مشهد خلق آدم:
﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾
(الحجر: 29).
الترتيب هنا يستحق التأمل:
تسوية… ثم نفخ.
ويظهر مشهد آخر في معجزة عيسى عليه السلام:
﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾
(آل عمران: 49).
لدينا في ظاهر المشهد:
طين → هيئة طائر → نفخ → طائر بإذن الله.
فهل يمكن أن نفهم من ذلك أن اكتمال المادة والشكل وحدهما لا يكفي لتفسير الحياة؟
وهل يشير مفهوم (النفخ) إلى جانب من حقيقة الحياة لا يمكن اختزاله في المادة والطاقة؟
لا أريد أن أستعجل الإجابة.
فالهدف من هذا البحث ليس أن نجعل الآية تقول أكثر مما تقول، وإنما أن نضع السؤال أمامها ونرى إلى أين يقودنا البحث.
الجسد والنفس
وهنا نصل إلى فرضية سنختبرها خلال هذه السلسلة، لا إلى نتيجة نقررها مسبقًا:
هل النفس هي الذات الحية المرتبطة بهذا الجسد؟ وهل الروح والنفس مفهومان مختلفان، وليسا مجرد اسمين لشيء واحد؟
هذا السؤال سيصبح أكثر أهمية عندما نصل إلى الموت.
فالقرآن عندما يتحدث عن الوفاة يقول:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾.
لكن قبل البحث فيما يحدث للنفس، علينا أن ننظر إلى ما يحدث للجسد.
متى يصبح الخلل موتًا؟
الجسد يتعرض للأعطال طوال حياته.
يمرض الإنسان ثم يشفى.
وقد يتعطل عضو من أعضائه ويستمر حيًا.
وقد يفقد جزءًا من جسده ويبقى حيًا.
وقد يتوقف القلب في بعض الحالات، ثم تنجح محاولات الإنعاش وتعود الدورة الدموية.
إذن:
ليس كل خلل في الجسد موتًا.
والطب الحديث يشترط عند تحديد الموت وفق المعايير العصبية، مثلًا، أن يكون فقد وظائف الدماغ دائمًا وفق معايير سريرية محددة، وليس مجرد توقف عابر يمكن أن تستعاد بعده الوظائف.
وهذا يضع أمامنا فكرة مهمة:
الجسد يستطيع تحمل كثير من الأعطال والتعويض عنها، إلى أن يصل الخلل إلى مستوى لا تعود معه الوظائف الضرورية لاستمرار الإنسان قابلة للاستعادة وفق المعايير الطبية.
ولهذا فإن جانبًا كبيرًا من الطب هو محاولة لمنع الوصول إلى تلك النقطة.
نعالج العدوى.
نوقف النزيف.
نجري العمليات.
نعالج أمراض القلب.
ونحاول المحافظة على وظائف الأعضاء.
لكن ماذا يحدث عندما يصل الخلل إلى نقطة لا يعود معها استمرار الحياة ممكنًا؟
وهنا نضع فرضية عمل، لا تعريفًا علميًا نهائيًا:
هل الموت هو النقطة التي يبلغ فيها الخلل في الجسد حدًا لا يعود معه صالحًا لاستمرار الحياة الدنيوية وارتباط النفس به؟
سنحتفظ بهذا السؤال، ونختبره في ضوء الطب والقرآن في الحلقات القادمة.
ولكن… هل الموت هو الوفاة؟
هنا تظهر واحدة من أهم المسائل في بحثنا.
في استعمالنا اليومي نقول:
(مات فلان).
ونقول:
(توفي فلان).
حتى أصبح اللفظان عند كثير منا يؤديان المعنى نفسه تقريبًا.
ومن الناحية اللغوية، تدور مادة (موت) حول ذهاب الحياة، بينما ترتبط مادة (وفي) بمعنى الاستيفاء والأخذ تامًا. ويكتسب هذا الفرق اللغوي أهمية أكبر عندما ننظر إلى طريقة استعمال القرآن للفظين.
يقول تعالى:
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾
(الزمر: 42).
تأمل العبارة:
﴿والتي لم تمت﴾.
هناك نفس تقع عليها الوفاة، ومع ذلك يصرح النص بأنها لم تمت.
ويقول تعالى:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾
(الأنعام: 60).
وقد تناول المفسرون هذا الاستعمال عند تفسير آية الزمر، وربطوا بين وفاة الموت ووفاة النوم، مع اختلاف في تفسير كيفية ذلك.
ومن هنا نستطيع، في هذه المرحلة، الوصول إلى نتيجة محدودة ولكن مهمة:
الموت والوفاة في الاستعمال القرآني ليسا مترادفين ترادفًا تامًا.
فالوفاة ترتبط بالموت، ولكنها ترد كذلك في سياق النوم الذي يصرح القرآن بأنه ليس موتًا.
وهذا يعني أننا إذا أردنا تعريف الموت، فلا يكفي أن نقول:
الموت هو الوفاة.
إلى أين وصلنا؟
بدأنا بسؤال:
ما الموت؟
فاكتشفنا أننا لا نستطيع الإجابة عنه قبل سؤال آخر:
ما الحياة؟
ثم وجدنا أن العلم يستطيع أن يصف لنا خصائص الحياة وآلياتها بدرجة كبيرة من الدقة، ولكن وضع تعريف نهائي جامع للحياة ليس أمرًا بسيطًا.
ووجدنا أن الطاقة ضرورية للحياة، لكنها لا تكفي لتعريفها.
ثم وضع القرآن أمامنا مفاهيم أخرى: الجسد، والروح، والنفس، والموت، والوفاة.
ووصلنا إلى فرضية سنحملها معنا في بقية البحث:
قد يكون الموت هو وصول الجسد إلى حالة لا يعود معها صالحًا لاستمرار الحياة الدنيوية وارتباط النفس به.
لكنها لا تزال فرضية تحتاج إلى الاختبار.
ويبقى أمامنا سؤال ربما يكون أكثر أهمية مما تصورنا:
إذا كان القرآن يخبرنا أن الإنسان قد تقع عليه (الوفاة) وهو لم يمت…
فما الوفاة إذن؟
وهل هي اللحظة نفسها التي نسميها الموت؟
أم أن الموت شيء… والوفاة شيء آخر؟
هذا ما سنبحث عنه في الحلقة الثانية.
يتبع…





