
أحمد بو خمسين
لا يمكن أن ينكر أحد حجم الجهود الكبيرة التي تبذلها أمانة الأحساء والبلديات في مجال التشجير وتحسين المشهد الحضري. كما أن تطوير شبكات الري في مشاريع التشجير أصبح أكثر كفاءة، وهو جهد يستحق الإشادة والتقدير.
ولكن هناك جانبًا آخر من التشجير يحتاج إلى مزيد من الاهتمام، وهو اختيار أنواع الأشجار المناسبة للشوارع.
فالشارع من أصعب البيئات التي يمكن أن نضع فيها شجرة. الشجرة في الجزيرة الوسطية، مثلًا، تكون معرضة للشمس المباشرة طوال اليوم، ويحيط بها الإسفلت من الجانبين، الذي يمتص الحرارة ويعيد إشعاعها نحوها. وفوق ذلك تمر السيارات باستمرار، وكل سيارة تضيف مزيدًا من الحرارة إلى البيئة المحيطة بالشجرة.
أي أن الشجرة في الشارع لا تحصل على راحة حقيقية؛ حرارة الشمس نهارًا، وحرارة الإسفلت، وحرارة السيارات، ثم تعود الدورة من جديد في اليوم التالي.
ولهذا فإن اختيار شجرة تتحمل هذه الظروف ليس أمرًا ثانويًا، بل هو أساس نجاح مشروع التشجير من عدمه.
المشكلة التي نلاحظها اليوم أن عددًا من الأنواع التي تزرع بكثرة في شوارع الأحساء تبدو جميلة عند زراعتها في موسم التشجير، الذي يمتد عادة من الخريف إلى الربيع، حيث تكون درجات الحرارة معتدلة. وتستمر الشجرة في النمو بصورة جيدة لعدة أشهر، ثم يأتي الصيف فتظهر المشكلة الحقيقية.
فبعض الأشجار تتحول خلال أشهر الصيف إلى أعواد شبه خالية من الأوراق، وبعضها يتراجع نموه بصورة كبيرة، وبعضها يموت، بينما تعود بعض الأشجار التي بقيت على قيد الحياة إلى النمو من جديد مع اعتدال الجو في أكتوبر تقريبًا.
وبذلك نكون قد زرعنا شجرة، وأنفقنا عليها، ومددنا لها شبكة ري، وخصصنا لها مساحة في الشارع، ثم اكتشفنا أنها لا تقدم لنا خلال الجزء الأكبر من العام ما نريده منها.
ليس هناك ظل كافٍ، ولا قيمة جمالية مستمرة، ولا استفادة بيئية حقيقية توازي تكلفة زراعتها وصيانتها.
ومن الأنواع التي أرى أن استخدامها في الشوارع يحتاج إلى إعادة نظر: الكاسيا جلوكا، واللبخ، والياسمين الهندي، وبعض أنواع الطلح مثل طلح العنبر أو ما يعرف بطلح الفتنة. وقد تنجح هذه الأشجار في الحدائق والمواقع التي توفر لها حماية وظروفًا أفضل، لكن وضعها في الشوارع المكشوفة، وخصوصًا الجزر الوسطية، يجعلها تواجه ظروفًا قاسية جدًا.
وفي المقابل، هناك أنواع أثبتت قدرتها على تحمل ظروف المنطقة، وأرى أن من المهم التوسع في استخدامها.
فالأمانة تزرع حاليًا بعض الأنواع الجيدة، مثل اللوز الهندي، والترميناليا، وكف مريم، والسدر، وأتمنى أن يستمر التوسع فيها، خصوصًا السدر الذي يمكن زيادة الاعتماد عليه بشكل أكبر.
ولكننا بحاجة أيضًا إلى إدخال مجموعة من الأشجار الأكثر تحملًا للحرارة والعطش، وعلى رأسها الغاف الرمادي.
الغاف الرمادي، في رأيي، من أفضل الأشجار التي يمكن الاعتماد عليها في التشجير في المملكة عمومًا، وفي الشوارع الحارة والمكشوفة خصوصًا. فهو من الأشجار التي أثبتت قدرة استثنائية على تحمل الحرارة والعطش، ولذلك أرى أنه يستحق أن يكون الخيار الرئيس في الجزر الوسطية.
كما أن الطلح الملحي وطلح سالجينا من الخيارات الممتازة التي تستحق التوسع في استخدامها، لما تتمتع به من تحمل قوي للحرارة والظروف القاسية، إلى جانب قيمتها الجمالية.
ومن الأنواع التي أتمنى أن نراها بصورة أكبر في شوارع الأحساء الفرفارة والرنف (البونسيانا العربية البيضاء)، لما تتميز به هذه الأشجار من تحمل عالٍ للحرارة والعطش، إضافة إلى جمالها وتزهيرها.
وهذه الأنواع الخمسة — الغاف الرمادي، والطلح الملحي، وطلح سالجينا، والفرفارة، والرنف — أراها من الخيارات الواعدة جدًا للجزر الوسطية والشوارع المكشوفة، لأنها تجمع بين التحمل والقيمة الجمالية والاستدامة.
وأعتقد أن الوقت قد حان لأن ننتقل في مشاريع التشجير من سؤال “ما الشجرة الجميلة؟” إلى سؤال أكثر أهمية: “ما الشجرة الجميلة التي تستطيع أن تعيش هنا؟”
فالهدف من تشجير الشوارع ليس مجرد وضع الأشجار في الأرض، وإنما أن تكبر هذه الأشجار، وتستمر، وتوفر الظل، وتجمّل المدينة، وتدعم البيئة لسنوات طويلة.
وفي بلد حار مثل المملكة، حيث يمتد الصيف لفترة طويلة وتتعرض الأشجار في الشوارع لظروف قاسية، فإن اختيار النوع المناسب قد يكون أهم من عدد الأشجار التي نزرعها.
ولذلك فإن دعوتي ليست إلى زيادة عدد الأشجار فقط، بل إلى رفع جودة الأشجار التي نزرعها.
جهود الأمانة في التشجير واضحة ومقدّرة، وشبكات الري التي تنفذها تمثل خطوة مهمة، لكن نجاح التشجير في النهاية يبدأ من الشتلة نفسها.
إذا زرعنا الشجرة المناسبة في المكان المناسب، فسنحصل بعد سنوات على شوارع أكثر خضرة، وأكثر ظلًا، وأقل تكلفة في الصيانة، وأكثر جمالًا واستدامة.
نحن لا نحتاج إلى أن نزرع أكثر فقط، بل نحتاج إلى أن نزرع أفضل.




