أقلام

خيارات ما بعد الشهادة الثانوية

أمير الصالح

مقدمة

ظلت المهن التشغيلية والحرفية الصناعية ردحًا من الزمن محل نظرة دونية لدى بعص المجتمعات لا سيما الشرق أوسطية. إلا أن التطور الحضاري والتغيير الاجتماعي ساهم وما يزال يساهم في تغيير نظرة عدد كبير من أبناء تلكم المجتمعات، وما يزال بعض الأفراد متمسكًا بالنظرة الدونية أو الاحتقارية لأصحاب المهن التشغيلية!!

في هذا المقال أسلط الضوء بشكل خاطف لعله يساهم في تجذير الاحترام لكل صاحب مهنة من أسفل الهرم المهني حتى ذروته.

الحوار

في السنوات الأخيرة، اختار عدد متزايد من الشباب، بإرادة أو اضطرارًا، منحى التدريب القائم على التدريب المهني في سياق العمل على الالتحاق بالتعليم الجامعي التقليدي. بينما يجادل البعض بأن هذا التحول حد ويحد من الفرص الوظيفية القيادية المرموقة ذات العائد المالي المجدي والجاه والسطوة والنظرة الاجتماعية المهيبة وحتى مستوى المصاهرة بما يليق طبقا لتصنيف الطبقات الاجتماعية؛ يسلط آخرون الضوء على فوائده العملية وإضافاته المالية وأهميته الاجتماعية في التكامل الاقتصادي وتدوير المال داخل المجتمع. شخصيًّا أعتقد اعتقادًا ترجيحيًّا أن فوائد الانخراط بالتعليم المهني تفوق العيوب أو نظرة أصحاب الإرث الاجتماعي المظلم والموسومة بالدونية، ولا سيما في ظل المتغيرات المتسارعة بسوق العمل وفي ظل تغير المعطيات والمنحنيات الاقتصادية.

أحد الإضافات الرئيسة للتدريب المهني هو صلته المباشرة باحتياجات الصناعة والخدمات للمجتمع. على عكس البرامج الجامعية، التي غالبًا ما تؤكد على دراسة النظرية دون الممارسة. تزود البرامج للتدري المهني القائمة على العمل، تزود الأفراد بالمهارات العملية والأسس المعرفية التي تعزز قابلية التوظيف في سوق العمل وسد الحاجة المحلية و الاستغناء عن الستقدام الأيدي العاملة المستوردة أو التقليل منها. لك أن تتخيل أن بعض الدول الشرق أوسطية تم اعادة التشكيل الديموغرافي بسبب الاستقدام ليصل عدد السكان المواطنين ما نسبته ١٦٪؜ فقط!!! هذا التوطين للمهن التشغيلية مفيد بشكل خاص في مجالات مثل قطاع البناء والرعاية الصحية والتكنولوجيا، وحيث يوجد طلب كبير على المهنيين المهرة ولا سيما التكييف والسباكة. علاوة على ذلك، يدخل العمال المهنيون من المواطنين ضمن القوى العاملة لسوق العمل في وقت مبكر، ويكتسبون الكرامة المالية، ويتجنبون ديون الطلاب الدراسية. وديون الطلاب الجامعية لدفع تكاليف الدراسة أضحت مصدر قلق في العديد من البلدان الصناعية. إضافة إلى ذلك، تستفيد الشركات من القوى العاملة الماهرة المحلية، مما يقلل من الحاجة إلى التدريب المكثف ويعزز الإنتاجية الاقتصادية الوطني.

نجحت دول مثل ألمانيا وسويسرا في تنفيذ أنظمة دراسة مهنية تلبي احتياجات السوق، مما أدى إلى انخفاض معدلات بطالة الشباب وبالتالي خلق اقتصاد أقوى وتدوير مالي داخلي كبير واستقرار اجتماعي أكبر.

ومع ذلك، فإن أحد العيوب الهامة في سلك الانخراط المهني المبكر هو التقدم الوظيفي المحدود في مجالات معينة ولا سيما ذات الاحترافية العالية. فمن المعروف أن المهن ذات الأجور المرتفعة (مهن أصحاب الياقات البيضاء كما يُطلق عليها في الشمال الأمريكي) مثل المحاماة والطب والهندسة، تتطلب شهادات جامعية من جهات معتمدة ومرموقة، مما يجعل من الصعب على المتدربين المهنيين تغيير مهنتهم في وقت لاحق من الحياة. وقد أدركت بعض الدول ذلك الهاجس مبكرًا وأدرجت برامج تعليمية تهدف لتجسير مهني – اكاديمي. بالإضافة إلى ذلك، يجادل البعض بأن التعليم الأكاديمي العالي يعزز التفكير النقدي والابتكار الذي قد يكون أقل تأكيدًا في التعلم القائم على التدريب المهني والممارسات المهنية الروتينية من أعمال صيانة وتشغيل. ومع ذلك، نجحت بعض الدول في إدراج مقررات تتضمن العديد من الدورات المهنية التي تهتم بالفكر النقدي والابتكار الآن في حل المشكلات والتقنية.

الجدوى الاقتصادية للشهادة الجامعية

بعض الدول الأجنبية تصاعدت بها تكاليف الدراسة بشكل جنوني، ولعل المتابع لنشرات الأخبار ببعض الدول الأوربية سمع ويسمع عن جملة أحداث بسبب زيادة رسوم التكلفة للتحصيل العلمي الأكاديمي. كما أن المنافسة ومعايير القبول لدى بعض الجامعات آخذة في التصاعد بشكل مرهق للطلاب وإلى حد الإحباط. فتبدأ الشروط بمعدل 7 في ielts ومرورًا بمستوى ممتاز لمعدل الشهادة الثانوية وختامًا بأكواد ذات علاقة ومقابلة شخصية. في بعض الدول الشرق أوسطية أضحت تكلفة رسوم السنة الدراسية الواحدة للمرحلة الثانوية تعادل رسوم الدراسة لكامل مرحلة البكالوريس (٤ سنوات) في دول أخرى!! وهذا يأكل مدخرات الأسرة إن لم يجففها!! ولا عجب أن عزف البعض عن الإنجاب للأطفال إذا كان أبًا طموحًا وحريصًا على تعليم أبنائه تعليمًا أكاديميًّا مرموقًا وعاليًا.

أخذ عدد كبير من أولياء الأمور في أنحاء المعمورة اعتماد خيار تفعيل أخذ القروض التعليمية من البنوك لإكمال التحصيل العلمي لأبنائهم. المشكلة ان هناك تقارير أمريكية تنص على أن القروض التعليمية مجهدة للخريج الجامعي، وقد تمتص طاقته المالية على مدى يزيد على ست سنوات!!

هنا بدأ عدد كبير من أولياء الأمور بالدول ذات التكلفة العالية بالتحصيل العلمي الأكاديمي في التفكير مليًّا بالجدوى الاقتصادية لإدراج أبنائهم بالجامعات الخاصة!

ختامًا

بالجملة نحن ننعم بنعم كثيرة ولله الحمد ولكن من المهم والجيد الاعتناء باقتناص الفرص أولًا بأول لكي نحدد المسار الأنسب للأبناء. ليس كل الأبناء والفتيات نسبة الذكاء لديهم مرتفعة أو منخفظة ولكن من الجيد دراسة وتشخيص إمكانية كل فرد قبل الدخول في برامج تعليمية مكلفة. كما أن على كافة أبناء المجتمع إبداء كامل الاحترام والتقدير لكل عنصر مواطن منتج وفعال ومساهم في بناء التكامل الاجتماعي والاستقلال في إنجاز الخدمات المهنية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds