أقلام

اهتمامات

أمير الصالح

إذا تصفحت بتمعّن ما يكتبه البعض، أو يسكت عن طرحه البعض الآخر، في أي مجتمع واقعي أو رقمي، فإنك تستطيع أن تستقرأ آفاق اهتمامات معظم الأعضاء الجالسين، ومستوى ثقافتهم، ومحطات اهتماماتهم، وموضوعات تفاعلاتهم، وحدود المتوقع من ردود أفعالهم في كل جنبة إلى حدٍّ كبير.

الحوار

إذا جاز استعارة التعبير بالجملة اللاتينية التالية: “A sedentary lifestyle spells bad news for hips and thighs”، ومفادها المجازي أن الرتابة المفرطة والكسل يحملان أخبارًا سيئة لحوض الجسم وسيقانه، فحتماً ستؤدي الرتابة والكسل والتنبّلة في جسد أي إنسان إلى ظهور أعراض السقم والعلل الصحية، ومنها الآلام في عضلات الحوض والسيقان والأفخاذ والركب، بسبب التخمة، أي السمنة، أو قلة الحركة، أو تناقص بعض الفيتامينات داخل الجسم، مثل فيتامين D. وذات الكلام ينطبق على الفكر والثقافة ومشهد الوعي في جسم أي مجتمع، إذا ضيّق الفرد أفقه أو حصره في مجال أو مجالين لا أكثر.

ماذا تقرأ، وعن ماذا تكتب؟

قل لي عمّا تقرأ وعمّا تكتب، أقل لك ما هي اهتماماتك وحدود آفاق ثقافتك؟! هل هذه المقولة صحيحة، أم أن بها مغالطة؟

في العالم الرقمي، حيث تُعالَج البيانات الضخمة عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي، يتم استنطاق اهتمامات كل فرد وكل مجتمع، سواء في أرض الواقع أو في العالم الرقمي، من خلال عدة قنوات، منها قنوات المجموعات الرقمية، والصحف الرقمية، والديوانيات، والصحف الورقية، والإعلام الفضائي المرئي. فهناك مجتمعات ومجموعات تهتم بالعلوم والتقنيات والبحوث الأكاديمية والتطور التقني، وهناك مجتمعات تهتم بنشر الفضيلة والأخلاق والتعامل النزيه والشفافية، وهناك مجموعات تهتم بنشر الوعي في كل مجالاته الصحية والفكرية والعلمية والمهنية.

وعلى العكس من ذلك، هناك مجموعات تهتم بالتراشق بالشتائم والنعوت المتدنية، وقذف المحصنات في أعراضهن، دون أي رادع أخلاقي أو قانوني أو وازع ديني أصيل. فأصبح الإنسان المتزن يشاهد كمًّا هائلًا من الهرج والمرج عبر شاشة الهاتف النقال، لما يحدث وما حدث بين مواطني عدة دول وداخل بعض المجتمعات. ومن تلك القصص ما هو مؤلم ومفجع، وقليل منها يبث السرور ويعيد الثقة بالإنسان لأخيه الإنسان.

يكتب البعض ويقرأ، حصرًا، في تراشق بعض المنتسبين إلى الدين، وآراء الفقه المتشددة، وأحداث بطولات كرة القدم؛ ويكتب آخرون ويقرأون في علم الكلام، وآراء أفلاطون، وفكر كتاب صراع الحضارات وكتاب نهاية الحضارة وكتاب الأب الفقير والأب الغني، ومدارس الرأسمالية بصنفيها المجهري (Micro) وغير المجهري (Macro).

والحقيقة أن المجتمع محتاج إلى الكتابة والقراءة في صنوف كثيرة، لتشمل ليس فقط الدين والعلمانية والرأسمالية وأخبار بطولات كرة القدم، بل يحتاج أيضًا إلى أن يقرأ ويكتب ويتدارس موضوعات شتى، منها: فنون التعامل وكسب القلوب، وإدارة الأعمال وصنوف التجارة وحقيقة الاستثمار، وأصناف التربية ومدارس الفكر وأدبيات الوعي، والتمييز بين الغث والسمين، وتجاوز فخاخ المغالطات العقلية، وتثقيف الذات في علم النفس وأصناف الشخصيات طبقًا لعلم النفس، وآداب الإتيكيت في الطعام والشراب والتحدث، والاطلاع على ثقافات الشعوب واختلاف اللغات، وأدب كسب الأصدقاء، وتشخيص الجرائم والعقوبات، وتحديات التعليم المعاصر في مخرجاته، وآفاق سوق العمل المحلي بعد العولمة الاستثمارية، وفنون تقوية الروابط العائلية وكسب الثقة داخل المجتمع وخارجه، وإجهاض حالات التردد والقهر النفسي، وصناعة الشجاعة، وتجذير ثقافة الصحة العامة والتغذية السليمة، والاطلاع على خصائص المطابخ العالمية الناجحة، وقراءة تجارب أبناء المجتمع في السفر والمعاملات التجارية والرقمنة والأمن السيبراني، وإدارة المواقف الاجتماعية، والتخطيط العمراني الناجح، وفنون إدارة المناسبات، والاستخدام الأمثل للمرافق العامة، وأثر الروابط الناجحة في تكوين الشخصية، والمواطنة بين الواجبات والحقوق، وإجادة فنون القراءة، وأطروحات المجتمع الناجح، وآفاق علوم الفضاء، وطرق توطين التقنية، والسفر السياحي، والسياحة الطبية، والإحسان، ومواطن التحفيز الاجتماعي، وإدارة الضغوط، وفنون الإدارة المالية، وإعداد النفس لاقتناص الفرص… إلخ.

ختامًا

قصص التاريخ الملهمة والكتابات الناهضة لا تُحكى للأطفال لكي يناموا، بل تُحكى للرجال لكي ينهضوا ويستعدوا ويبادروا ويصنعوا مستقبلًا أفضل لأنفسهم ولمن يأتي بعدهم.

ومن الذكاء والفطنة اقتناص الفرص بحسن توظيف التقنية، والمدارسة مع أهل الفكر، واستنطاق التجارب من أهل الخبرة، وليس اجترار سرديات ضياع الفرص وندب الحظ مرارًا وتكرارًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds