أقلام

دعاء الندبة… هل نعرف مَن ندعو إليه؟

يوسف الطويل

يوم الجمعة.

وقد ارتبط يوم الجمعة في الوجدان الشيعي بالإمام المنتظر، ومن الأعمال المستحبة فيه قراءة دعاء الندبة.

ودعاء الندبة من الأدعية المعروفة التي يقرأها المؤمنون شوقًا إلى الإمام المهدي وانتظارًا لظهوره، لكنه حين يُقرأ بتأمل لا يبدو مجرد دعاء شوق وحنين، بل يأخذ القارئ في رحلة طويلة عبر مسيرة الهداية.

فهو لا يبدأ بالإمام المهدي مباشرة، بل يعود بنا إلى مسيرة الأنبياء؛ من آدم ونوح وإبراهيم، إلى موسى وعيسى عليهم السلام، ثم إلى رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، وكأن الدعاء يرسم أمامنا سلسلة متصلة من الهداية: (صالحًا بعد صالح، وصادقًا بعد صادق)، ثم يمضي بنا إلى أمير المؤمنين والأئمة، حتى يصل إلى الإمام الغائب.

وهذا التسلسل في دعاء الندبة لفت انتباهي. فمحمد صلى الله عليه وآله هو خاتم الأنبياء، وبه خُتمت النبوة، ثم تمضي مسيرة الهداية ـ في الرؤية الإمامية ـ عبر الأوصياء، حتى تصل إلى آخرهم، الإمام المهدي عليه السلام، الذي امتدت غيبته أكثر من ألف عام.

وهنا، وأنا أواصل قراءة دعاء الندبة وأتنقل بين عباراته، شعرت أنني لا أقرأ فقط تاريخًا يمتد من الأنبياء إلى الإمام الغائب، بل إن الدعاء يقودني شيئًا فشيئًا إلى شخص ننتظر حضوره ونشتاق إليه.

عندها توقفت وسألت نفسي:

هل نعرف فعلًا مَن ندعو إليه؟ وهل حقًا نعرف هذا العظيم الذي ندعو له ونشتاق إليه؟

واصلت قراءة الدعاء، حتى وصلت إلى عبارتين استوقفتاني:

(أين المدخر لتجديد الفرائض والسنن؟)

(أين المؤمل لإحياء الكتاب وحدوده؟)

توقفت عندهما طويلًا.

نحن نقرأ هاتين العبارتين منذ سنوات، وربما مررنا عليهما مرات كثيرة، لكن ماذا نقول فعلًا عندما نطلب إمامًا يجدد الفرائض والسنن؟

كلمة «تجديد» وحدها تستحق أن نتوقف عندها.

فالفرائض موجودة، والسنن موجودة، والفقه موجود، والعلماء والفقهاء والمفسرون بذلوا عبر القرون جهودًا عظيمة في حفظ الدين وفهم نصوصه واستنباط أحكامه.

إذن، ما الذي سيُجدَّد؟

هل الفرائض والسنن التي نعرفها اليوم خطأ؟

أم أنها ناقصة؟

أم أن المشكلة ليست في الفرائض والسنن نفسها، وإنما في فهمنا لها؟

هل الذي يحتاج إلى التجديد هو فهمنا؟

أم طريقة تطبيقنا؟

أم أن شيئًا من السنن غاب مع الزمن، وشيئًا آخر اختلط بما تراكم حوله عبر القرون؟

لا أدري.

لكن العبارة الثانية لا تخفف السؤال، بل تزيده:

(أين المؤمل لإحياء الكتاب وحدوده؟)

إحياء الكتاب؟

كيف نطلب إحياء كتاب لم يمت؟

فالقرآن بين أيدينا. نقرأه، ونحفظه، ونطبعه، ونتدارسه، ونفسره، وتُقام حوله علوم ومدارس ومؤسسات.

إذن، ما الذي يحتاج إلى الإحياء؟

هل وجود الكتاب بين أيدينا يعني بالضرورة أن كل مراده حاضر بين أيدينا؟

وهل حفظ النص يعني أننا وصلنا إلى كل ما يحمله النص؟

وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد معنى كلمتي «تجديد» و«إحياء».

فقد مر على غيبة الإمام أكثر من ألف عام. وخلال هذه القرون قامت مدارس، وأُلّفت كتب، ونشأت مناهج، واجتهد العلماء والفقهاء والمفسرون، واختلفوا واتفقوا، وحاول كل جيل أن يصل إلى مراد النص بأدواته وما وصل إليه من علم ورواية.

ولا يعني هذا التقليل من كل ذلك الجهد، بل ربما العكس تمامًا؛ فهو جهد بشري هائل لحفظ الدين وفهمه في زمن غياب الإمام.

ولكن دعاء الندبة يعيدنا كل جمعة إلى السؤال نفسه:

(أين المدخر لتجديد الفرائض والسنن؟)

(أين المؤمل لإحياء الكتاب وحدوده؟)

فإذا كان الإمام سيأتي ليجدد الفرائض والسنن ويحيي الكتاب وحدوده، فهل نحن اليوم نعيش الدين بصورته الكاملة… أم بالصورة التي استطعنا الوصول إليها في زمن الغيبة فقط؟

ربما هنا يتغير معنى انتظار الإمام قليلًا.

فالقضية ليست فقط انتظار شخص غائب، بل انتظار حضور يملك من البيان والحجة ما لا نملكه نحن في غيبته.

وعندها يبقى أمامي سؤال واحد، لا أملك له جوابًا:

ما الذي يستطيع حضور الإمام أن يقدمه ولا تستطيع قرون من الاجتهاد أن تحسمه؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds