أقلام

التسول الأدبي … “لايك” لوجه الله يا محسنين

كمال الدوخي

ما إن يموت أديب حتى ينهض في بعض الأدباء شاعر كان ينتظر هذه الوفاة منذ ديوانه الأول. ينفض الغبار عن قافيته، ويكوي استعاراته، ويتقدم إلى العزاء بكامل زينته البلاغية، كأن الراحل أوصى قبل موته أن تكون جنازته أمسية لاكتشاف المواهب.

تدخل لتقرأ عن الميت، فتخرج وأنت تعرف كل شيء عن الراثي: سعة اطلاعه، ورهافة حسه، وعمق تجربته، ومأساته في هذا العالم الذي لم ينصف عبقريته بعد. أما الفقيد المرثي، صاحب المناسبة، فيحضر بالقدر الذي تحضر فيه الشماعة في معرض الأزياء.

وللتسول الأدبي آدابه. لا تمد يدك مباشرة، فهذا يجرح كبرياء اللغة. مد قصيدة. لا تقل: أعجبوا بي، قل: انطفأ قنديل المعنى على منخار الغياب. ثم انتظر تحت المنشور حتى يأتيك من يقول: يا الله، ما أعمقك. عندها يكون القنديل قد أدى مهمته، ويمكن للراحل أن يستريح.

بعضهم لا يحتمل أن يموت الراحل وحده؛ فلا بد أن يزاحمه بميلاد موهبته. يحمل الناس نعشا، ويحمل هو مشروع مجده. يبحثون عن كلمة تليق بالفقيد، ويبحث عن عبارة تليق بصورة حسابه على تويتر. وبينما تسأل الأسرة عن موعد الدفن، يسأل في سره عن موعد النشر، فالسبق في الحزن من شروط المنافسة.

وما إن ينشر الأول مرثيته حتى يدخل الثاني بقصيدة أطول، ويطل الثالث بمقالة أعمق، ويستخرج الرابع ذكريات قديمة تثبت أن الراحل كان يعرفه، بل ربما ابتسم له ذات جلسة. وهنا تتحول ساحة العزاء إلى زوج الأربع؛ كل ضرة تشد ثوب البلاغة من طرف، وتلمز الأخرى بأن حزنها مستعار، وأن دمعتها موزونة على بحر لا تجيده. ولو استطاعت إحداهن لانتزعت من الأخرى حق استعمال كلمة “الغياب” حتى تنتهي عدتها الأدبية.

ثم يصل أصحاب الصور، وهؤلاء لهم في المصيبة رزق آخر. يفتح أحدهم أرشيفه بالهمة التي يفتح بها الورثة وصية، ويخرج صورة جمعته بالراحل قبل عشرين عاما، في مناسبة لا يتذكرها إلا هو.

 ينشرها، ثم يكتب: “رحل صديقي” وإن أراد أن يظهر تواضعه “رحل أستاذي”. وبقدرة صورة واحدة، تختصر مسيرة الأديب كلها في أنه وقف ذات مساء إلى جواره.

وتحتار أمام بعض الصور: أي الرجلين يرثي الآخر؟ الفقيد عند الحافة، وصاحبنا في الوسط، واضح الملامح، حسن الإضاءة، يكاد يطلب من المعزين أن يؤجلوا البكاء حتى يتأملوا وسامته. وإذا كانت الصورة جماعية، اجتهد في قص الآخرين، فلا يجوز أن تتوزع بركة الفقيد على هذا العدد من المنتفعين.

صورة معه، ثم يكتب: “أوجعني رحيلك”، ثم يعود كل دقيقتين ليتفقد كم شخصا أعجبه هذا الوجع.

وتبدأ بعدها مزايدات القرب: هذا آخر من هاتفه، وذاك أول من اكتشفه، وثالث فهم صمته، ورابع كان يعرف ما وراء ابتسامته. ولو جمعنا دعاواهم لوجدنا أن الراحل لم يكن يجد وقتا للكتابة من كثرة ما كان يودعهم، ويستشيرهم، ويخصهم بأسراره.

وقد تضيق مساحة الاستعراض بأحدهم، فيوسعها على حساب مبادئه. يركل ما كان يدافع عنه بالأمس ليجد موضعا تقف فيه استعارة اليوم، ويهدم من قناعاته ما يعترض طريق القافية. فإذا كان التصفيق في جهة، وقيمه الدينية والأخلاقية في جهة، ترك قيمه تحرس نعليه، وصعد إلى المنصة حافيا من كل مبدأ، متأنقا بكل محسنة بديعية.

لا يراجع موقفه، ولا يشرح تحوله، ولا يكلف نفسه مشقة الاتساق؛ فالموسم قصير، والجنازة لن تنتظره حتى يحل خلافه مع ضميره. يكفيه أن يكتب ما يجلب الإعجاب، ولو احتاج غدا إلى خطبة طويلة في ذم ما كتبه اليوم. ويا لها من صفقة: يبيع مبدأ طالما تباهى بالدفاع عنه، ويقبض ثمنه تعليقا من ثلاث كلمات، يكتبه قارئ مستعجل، ثم يمضي إلى مقطع مضحك.

انتفاع لا رثاء، هذا يدفنه تحت ركام الصور البلاغية، وذاك يسحبه إلى سيرته الشخصية، وثالث يرفعه على كتفيه كي يراه الجمهور، ثم يكتشف القارئ أن الذي يلوح بيديه في الأعلى هو الكاتب نفسه.

منذ ١٤ عام توقفت عن المقالات الساخرة، ولكن تدفعك الحالة البائسة التي نعيشها للتهكم والسخرية، بالخصوص أنك أمام مشهد للتفاهة بقيادة ادعياء الأدب والثقافة.

الرثاء الصادق له أثر يعرفه قارئه؛ يعيد إليه شيئاً من الإنسان الذي فقده: موقفاً، أو فكرة، أو ملامح حياة. أما هؤلاء فيعيدون إليه، مع كل وفاة، وجوههم نفسها، وصورهم نفسها، وجوعهم نفسه، مع تغيير اسم الفقيد في مطلع النص.

ولعل أصدقهم من يوفر علينا هذا العناء، فيكتب أسفل مرثيته: رحم الله الفقيد، لقد كانت وفاته فرصة لا تعوض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds