حد الترخّص

حسين الحاجي
هو الحد الذي تبدأ عنده بعض أحكام السفر كقصر الصلاة وفق شروطها ، لكن يبدو أن بعضنا وضع لنفسه حداً تنتهي عنده المجاملات وتبدأ بعده الانتقادات حتى قبل مغادرة مكان المناسبة .
ندخل مكان الدعوة بكامل أناقتنا وأدبنا ، نبتسم لهذا ونصافح ذاك ونثني على حسن الاستقبال ونشكر صاحب الدعوة ونردد { ما قصرتوا ، كل شيء تمام } وقد تنطلق بعض التعليقات همساً قبل انتهاء المناسبة ، لكن ما إن تتحرك السيارة حتى نبلغ حد الترخّص الاجتماعي وتنعقد جلسة التقييم التي لم يطلبها أحد .
القاعة ضيقة والعشاء تأخر والقهوة باردة والحلو قليل والمواقف بعيدة وفلان ما سلّم علينا وعلان لبسه مو عدل وآخر ما عطانا وجه ، وقبل أن نصل إلى البيت نكون قد قيّمنا المناسبة وأهلها وضيوفها ووزعنا الدرجات وأصدرنا النتائج ولم يبقى إلا إعلان أسماء الناجحين .
وقد يحدث الأمر نفسه في مطعم أو مقهى ، يسألنا الموظف : كيف كان كل شيء ؟ فنجيبه مبتسمين : ممتاز ، يعطيكم العافية ، وما إن نخرج حتى نكتشف أن الطعام لم يكن لذيذاً والخدمة بطيئة والأسعار مرتفعة وكان الأولى بنا أن نبدي ملاحظاتنا بلطف في وقتها .
ولا يتوقف الأمر هنا ، فأحياناً نجلس مع شخص فنستمع إليه باهتمام ونهز رؤوسنا موافقين وربما نقول له : كلامك جميل ، وما إن يغادر حتى ننسى كل ذلك ونفتح جبهة الانتقاد ، ويتكرر المشهد في الواتساب حين ننقل رسالة أحدهم إلى القروبات ونبدأ بالتعليق عليها وكأن صاحبها طلب منا تقييمها في غيابه .
ليس المطلوب أن يعجبنا كل شيء ولا أن نوافق الجميع على كل ما يقولونه ، فمن الطبيعي أن تختلف آراؤنا وتقديراتنا للأمور ، لكن الفرق كبير بين مصارحة نحترم بها الآخرين ومجاملة يعقبها تجريح في غيابهم ، ولدينا سؤال بسيط يكشف حقيقة موقفنا : لو كان الشخص جالساً معنا ، هل سنقول الكلام نفسه وبالطريقة نفسها ؟
إذا كانت الإجابة لا ، فربما يكون الصمت أجمل من العبارة والتجاوز أكرم من التعليق ، فليس كل ما نلاحظه يستحق أن يقال وليس كل ما نسمعه يحتاج أن ننقله .
ختاماً ، حد الترخّص في السفر له موضعه وأحكامه أما في تعاملنا مع الآخرين فلا ينبغي أن نمنح أنفسنا رخصة لذمهم وتجريحهم بعد مغادرة المكان ، فالاحترام لا تنتهي صلاحيته عند باب المجلس .




