قوة الإنسان في النهوض لا في عدم السقوط

شباب الثبيتي
ليست الحياة طريقًا مستقيمًا تسير فيه الأمور دائمًا كما نريد؛ ففيها نجاح وإخفاق، لقاء وفقد، سهولة ومشقة، وأبواب تُفتح وأخرى تُغلق رغم محاولاتنا. وبين هذه التحولات تظهر إحدى أهم قدرات الإنسان: المرونة النفسية.
والمرونة النفسية لا تعني ألا نحزن أو نتأثر أو نشعر بالإحباط، فالإنسان بطبيعته يتفاعل مع ما يمر به.
إنما تعني ألا تتحول العثرة إلى إقامة دائمة، وألا نجعل موقفًا مؤلمًا يختصر نظرتنا إلى الحياة كلها.
هناك فرق بين أن تمر بالتجربة، وبين أن تسمح للتجربة بأن تتوقف بك.
قد يخفق الإنسان في مشروع، أو يفقد فرصة كان ينتظرها، أو يواجه موقفًا لم يكن مستعدًا له.
في البداية قد يشعر بالخيبة، وهذا أمر طبيعي، لكن السؤال الذي يصنع الفارق هو: ماذا سأفعل بعد ذلك؟
فالمرونة تبدأ حين نغير السؤال من: «لماذا حدث هذا لي؟» إلى: «ماذا يمكنني أن أتعلم مما حدث؟»
هذا التحول البسيط في التفكير لا يلغي صعوبة التجربة، لكنه يمنح الإنسان مساحة للحركة بدل البقاء أسيرًا لها.
وقد تكون بعض العثرات مؤلمة في وقتها، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت نقطة تحول في حياتنا. ربما دفعتنا إلى اكتساب مهارة جديدة، أو مراجعة قرار، أو تغيير اتجاه، أو معرفة أنفسنا بصورة أعمق.
فالحديد لا تُعرف صلابته قبل اختباره، وكذلك بعض جوانب قوتنا لا نكتشفها إلا عندما تضعنا الحياة أمام مواقف تستدعيها.
لكن المرونة النفسية لا تُبنى بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى ممارسة.
تبدأ بقبول أن بعض الأمور خارجة عن سيطرتنا، ثم توجيه طاقتنا نحو ما نستطيع تغييره. وتحتاج أيضًا إلى التوقف عن جلد الذات بسبب كل خطأ؛ فالخطأ الذي نتعلم منه يصبح خبرة، أما الخطأ الذي نبقى نعاقب أنفسنا عليه فقد يتحول إلى قيد.
ومن المرونة أيضًا أن نمنح أنفسنا وقتًا للتعافي. فالوقوف بعد العثرة لا يعني أن نقف في اللحظة نفسها، وإنما أن نرفض البقاء على الأرض إلى الأبد.
ولا ينبغي أن نقارن قدرتنا على تجاوز الصعوبات بقدرة الآخرين؛ فلكل إنسان تجربته وظروفه وطريقته في التعامل معها. المهم أن تكون خطوات اليوم، ولو كانت صغيرة، متجهة إلى الأمام.
وفي بيئة العمل كما في الحياة، نجد أن الأشخاص الأكثر قدرة على الاستمرار ليسوا بالضرورة من لم يواجهوا الفشل، بل غالبًا من تعلموا كيف يعيدون ترتيب أوراقهم بعده. فالنجاح الطويل لا يحتاج فقط إلى المعرفة والمهارة، بل يحتاج إلى نفس تعرف كيف تتكيف مع المتغيرات دون أن تفقد اتجاهها.
وفي الختام، قد لا نملك اختيار كل ما يحدث لنا، لكننا نملك مساحة لاختيار الطريقة التي نتعامل بها معه. والعثرة لا تعني نهاية الطريق، كما أن التأخر لا يعني ضياع الوصول.
كن مرنًا أمام الحياة؛ انحنِ أمام العاصفة حين تحتاج إلى ذلك، لكن لا تسمح لها أن تقتلع جذورك.
فالقوة ليست في ألا تسقط أبدًا، بل في أن تعرف في كل مرة كيف تقف من جديد، أكثر وعيًا ونضجًا مما كنت عليه.




