
د. حجي الزويد
تواصلت معي إحدى الأمهات على الخاص تسألني عن طفلها الذي لم يتجاوز عمره خمسة عشر يومًا، وقالت:
«دكتور، أخبرني الطبيب أن الدم عند طفلي 21، فهل هذا طبيعي؟»
توقفت عند كلمة «الدم»، وسألتها:
ماذا تقصدين بأن الدم 21؟
هل تقصدين الهيموغلوبين؟
أم كريات الدم البيضاء؟
أم البيليروبين (الصفراء)؟
أم سكر الدم؟
أم تحليلًا آخر؟
فقالت:
«لا أدري، الطبيب قال لي إن الدم 21 فقط».
فقلت لها:
كيف يمكنني أن أجيب عن سؤال لا نعرف أصلًا ما التحليل المقصود به؟
فالرقم وحده في الطب لا يكفي.
وهنا لم يعد السؤال بالنسبة لي متعلقًا بالرقم 21، وإنما أصبح سؤالًا أكبر:
من المقصّر ، عندما تذكر الام رقمًا، ولكنها لا تعرف ماذا يعني؟
هل الطبيب الذي لم يشرح؟
أم الأم التي لم تسأل؟
أم أن المسؤولية مشتركة بين الطرفين؟
الرقم وحده لا يعني شيئًا:
من الأخطاء الشائعة في نقل المعلومات الطبية أن يقول المريض أو أحد والديه:
«الدم 10»، أو «الالتهاب 20»، أو «المناعة مرتفعة»، أو «التحليل طلع 15».
ولكن ماذا يعني هذا الرقم؟
في الطب، لا يمكن تفسير الرقم بمعزل عن اسم الفحص، ووحدة القياس، وعمر المريض، وحالته الصحية، والمعدل المرجعي للمختبر، والسبب الذي أُجري من أجله التحليل.
بل إن الرقم نفسه قد يكون طبيعيًا في تحليل، ومرتفعًا في تحليل آخر، ومنخفضًا في ثالث.
وفي حديثي الولادة تحديدًا، تختلف كثير من القيم الطبيعية عن الأطفال الأكبر سنًا والبالغين؛ ولذلك فإن معرفة عمر الطفل جزء أساسي من تفسير النتيجة.
ولهذا فإن نقل رقم مجرد من اسمه وسياقه قد لا يساعد الطبيب الآخر، بل قد يؤدي إلى فهم خاطئ وقلق غير ضروري.
هل الطبيب مقصّر؟
الطبيب لا تنتهي مسؤوليته بمجرد طلب التحليل وقراءة النتيجة وكتابة العلاج.
التواصل مع المريض أو والديه جزء من الرعاية الطبية نفسها.
فعندما تظهر نتيجة مهمة، ينبغي أن يعرف الوالدان ـ بلغة بسيطة ومفهومة ـ ما اسم الفحص، وهل النتيجة طبيعية أم غير طبيعية، وما أهميتها، وما الخطوة التالية.
لا نحتاج إلى تحويل زيارة العيادة إلى محاضرة في الطب، ولا إلى شرح كل رقم في صفحة التحاليل، ولكن ينبغي ألا تخرج الأم وهي لا تعرف حتى ما الذي كان مرتفعًا أو منخفضًا عند طفلها.
فإذا قال الطبيب للأم: «النتيجة 21»، وانتهى الحديث دون أن يوضح لها ماذا يقصد بهذا الرقم، فإن هناك نقصًا في إيصال المعلومة.
وقد يكون الطبيب قد شرح بالفعل، لكن الأم بسبب القلق أو كثرة المعلومات لم تستوعب ما قيل لها أو نسيته لاحقًا؛ وهذا احتمال وارد جدًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بطفل حديث الولادة.
لذلك من المفيد أن تكون التعليمات المهمة واضحة ومكتوبة متى أمكن.
وهل الأم مسؤولة أيضًا؟
نعم، للأسرة دور مهم.
من حق الأم والأب أن يسألا الطبيب، وليس في السؤال إحراج ولا تقليل من الثقة به.
إذا قال الطبيب: «النتيجة مرتفعة»، فاسأليه:
ما اسم التحليل؟
كم كانت النتيجة؟
هل هي طبيعية لعمر طفلي؟
هل تحتاج إلى علاج؟
هل يحتاج التحليل إلى إعادة؟
ومتى ينبغي أن أراجع الطبيب أو الطوارئ؟
هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع كثيرًا من الالتباس بعد العودة إلى المنزل.
كما أن من الأفضل الاحتفاظ بصورة من نتائج التحاليل والتقارير والوصفات، خصوصًا إذا كان الطفل حديث الولادة أو لديه مشكلة تحتاج إلى متابعة.
ولكن المسؤولية ليست متساوية تمامًا:
إذا أردنا الإنصاف، فلا ينبغي أن نضع المسؤولية على الطرفين بالدرجة نفسها.
فالطبيب هو الطرف الذي يمتلك المعرفة الطبية، ويعرف أهمية المعلومة وما الذي ينبغي شرحه منها، بينما قد تكون الأم أمام مصطلحات تسمعها للمرة الأولى في حياتها.
وقد تكون قلقة على رضيع عمره أيام، فلا تعرف أصلًا ما السؤال الذي ينبغي أن تسأله.
ولهذا فإن المسؤولية الأساسية عن إيصال المعلومة الطبية بصورة واضحة تقع على عاتق مقدم الرعاية الصحية، بينما تقع على الأسرة مسؤولية الاستفسار عندما لا تفهم، والاحتفاظ بالمعلومات الطبية، والالتزام بالتعليمات والمتابعة.
أي أن العلاقة ليست:
طبيب يتكلم ومريض يستمع فقط، بل هي شراكة في التواصل واتخاذ القرار.
قبل أن تغادر المستشفى أو العيادة… اسأل خمسة أسئلة
يمكن لكل أم وأب قبل مغادرة العيادة التأكد من معرفة خمس نقاط أساسية:
ما المشكلة أو التشخيص المتوقع؟
ما اسم التحليل أو الفحص الذي كان غير طبيعي؟
ماذا تعني النتيجة بصورة مبسطة؟
ماذا يجب أن أفعل الآن؟
متى أعود للطبيب، وما العلامات التي تستدعي الذهاب للطوارئ؟
وإذا كانت هناك نتيجة مهمة، فمن الأفضل تصويرها أو الحصول على نسخة منها بدل الاعتماد على الذاكرة.
الطبيب الجيد لا يكتفي بأن يعرف… بل يتأكد أن المعلومة وصلت
هناك فارق مهم بين أن يقول الطبيب المعلومة وبين أن تصل المعلومة إلى المريض بصورة صحيحة.
قد يشرح الطبيب بمصطلحات علمية دقيقة، لكن الأم لا تفهم منها شيئًا. وهنا لا يكون التواصل قد حقق هدفه.
ومن الوسائل البسيطة والفعالة أن يقول الطبيب في نهاية الشرح:
«حتى أتأكد أنني شرحت بصورة واضحة، أخبريني ماذا فهمتِ عن نتيجة طفلك، وماذا ستفعلين بعد العودة إلى المنزل؟»
فإذا استطاعت الأم إعادة المعلومة بكلماتها، عرف الطبيب أن الرسالة وصلت. وإذا أخطأت، فهذه فرصة لتصحيح الفهم قبل مغادرة العيادة.
إذن… من المقصّر؟
في القصة التي بدأت بها لا أستطيع أن أحكم على الطبيب؛ لأنني لم أكن حاضرًا ، ولا أعلم ماذا قال بالضبط، وربما شرح للأم ولم تستوعب المعلومة أو نسيتها.
كما لا أريد أن ألوم أمًا تحمل رضيعًا عمره خمسة عشر يومًا، وقد يكون القلق جعلها لا تنتبه إلى تفاصيل الحديث.
ولكن القصة تكشف مشكلة مهمة:
هناك معلومة طبية خرجت من المستشفى ، لكنها لم تصل إلى المنزل بصورة مفهومة.
وهذا هو الخلل الذي ينبغي أن نعالجه.
فالطبيب مسؤول عن أن يشرح بوضوح، والأم مسؤولة عن أن تسأل عندما لا تفهم، والمؤسسة الصحية مسؤولة عن توفير نتائج وتقارير وتعليمات يسهل على الأسرة الرجوع إليها.
والغاية في النهاية ليست تحديد من نلوم؟
بل أن نسأل: كيف نمنع ضياع المعلومة الطبية مرة أخرى؟
لأن المعلومة الطبية الصحيحة لا تكتمل قيمتها حين يعرفها الطبيب وحده، وإنما حين يفهمها المريض أو أسرته، ويعرفون بناءً عليها ماذا يفعلون بعد مغادرة باب العيادة أو المستشفى.




