
فاضل السماعيل
ما وقع فيه بعض الإخوة، في تقديري، هو الخلط بين التصنيف العلمي والتصنيف البستاني والتسويقي، وربما زادت الغيرة المناطقية من حدة هذا الخلط.
فالتصنيف العلمي والاسم العلمي لهما وظيفة مختلفة تمامًا؛ فالاسم العلمي لا يُستخدم عادةً في الأسواق أو بين عامة الناس، وإنما في الأبحاث العلمية والجامعات والمراجع المختصة، لأنه يحدد النوع النباتي تحديدًا دقيقًا بغض النظر عن موطن زراعته أو الاسم الشعبي الذي اشتهر به.
خذوا أمثلة بسيطة:
1- الذرة الشامية
اسمها المعروف عربيًا هو «الذرة الشامية»، مع أن أصلها التاريخي من أمريكا الوسطى، واسمها العلمي Zea mays L.. ولو زرعتها في اليمن أو السعودية أو العراق، فإنها لا تتحول بسبب موقع زراعتها إلى نوع نباتي جديد؛ بل تبقى ذرة Zea mays، بينما يمكن أن تحمل في السوق أو البيئة المحلية اسمًا مرتبطًا بمكان زراعتها أو صفاتها.
2- القهوة العربية
القهوة العربية اشتهرت بهذا الاسم عالميًا، مع أن موطن نبات البن العربي Coffea arabica يرتبط تاريخيًا بإثيوبيا، ومنها انتقلت زراعته وانتشرت إلى مناطق مختلفة من العالم. فالاسم التجاري أو الشعبي لا يلزم أن يطابق الموطن الأصلي للنبات.
3- الفول السوداني
أصله من أمريكا الجنوبية، واسمه العلمي Arachis hypogaea، وله أسماء شعبية وتسويقية متعددة بحسب البلدان والمناطق.
وهكذا في كثير من المحاصيل: الاسم العلمي شيء، والاسم الشعبي أو البستاني أو التسويقي شيء آخر.
ومن هنا نصل إلى المانجا الجيزانية. القول بأنها «جيزانية» لا يعني بالضرورة أن أصل نبات المانجا من جازان، ولا أن صنف المانجا عالميًا نشأ هناك. إنما المقصود أن هناك منتجًا زراعيًا اشتهر بجازان، واكتسب صفات وسمعة مرتبطة بالبيئة وطريقة الزراعة والعناية به.
والمانجا الجيزانية التي عمرها نحو ثلاثين سنة وأكثر، والتي يشار إليها باعتبارها من أكبر أشجار المانجا هناك، قد زرتها وصورت عندها بنفسي. فهل وجود شجرة عمرها ثلاثون سنة يجعل تسمية «المانجا الجيزانية» خطأ؟ بالطبع لا.
فالتصنيف البستاني والتسويقي أوسع من مجرد الاسم العلمي.
ومن حق صاحب المزرعة أن يميز محصوله ويسوقه باسم يدل على مكان إنتاجه أو صفاته أو طريقة زراعته، خصوصًا أن اختلاف التربة والمياه والمناخ والتسميد والري وطرق الخدمة الزراعية قد يؤدي إلى اختلاف واضح في الطعم والجودة والصفات حتى بين نباتات من النوع نفسه.
ولدينا أمثلة واضحة في بيئتنا الأحسائية:
الرمان يزرع في معظم بلدات الأحساء، ولكن سوار، وهي البلدة المندثرة، اشتهرت برمانها، فأصبح يقال «الرمان السواري»، لتمييزه عن غيره.
و الرزيز يزرع في مناطق زراعية متعددة بالأحساء، ولكن رزيز منطقة سودة الزراعية شرق بني معن تميز واشتهر عن غيره من رزيز البلدات الأحسائية.
وكذلك خلاص الأحساء يزرع في أكثر من بلدة، ولكن أهل الخبرة والذائقة يميزون بين إنتاج المناطق، ويعرفون أن خلاص الشمال الأحسائي له صفات وجودة يفضلها كثيرون على غيره.
وهذا ليس أمرًا غريبًا في الزراعة؛ فالبيئة الزراعية ليست قالبًا واحدًا، حتى لو كان المحصول من النوع النباتي نفسه.
بل إن القرآن الكريم أشار إلى هذا المعنى بوضوح:
﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: 4].
فالآية نفسها تقرر أن الأرض قد تكون متجاورة، وتسقى بماء واحد، ومع ذلك يختلف الناتج في الأكل والصفة والجودة.
والأغرب أن البعض قبل بسهولة تسمية المانجا الجيزانية، مع أن تاريخ زراعتها في جازان حديث نسبيًا، وقبل تسمية زيتون الجوف، مع أن الزيتون أصله التاريخي أقدم بكثير من زراعته في الجوف، بل إن كثيرًا من المنتجات الزراعية الحديثة اشتهرت بأسماء مناطقها وأصبحت تلك الأسماء جزءًا من هويتها الزراعية والتسويقية.
فلماذا تصبح المشكلة فقط عندما يصل الأمر إلى اللومي الحساوي؟
إن كان المعيار هو الأصل النباتي والتصنيف العلمي، فليكن المعيار واحدًا على الجميع: لا مانجا «جيزانية»، ولا زيتون «جوف»، ولا قهوة «عربية»، ولا رمان «يمني»، ولا ورد «طايفي».
أما إذا كنا نقبل بالتصنيف البستاني والتسويقي المرتبط بمكان الإنتاج والصفات المكتسبة والشهرة المحلية، فلا وجه للاعتراض على «اللومي الحساوي».
الخلاصة: لا تخلطوا بين اسم النبات في كتب التصنيف العلمي، واسم المنتج في البساتين والأسواق. فالأول يحدد النوع النباتي، أما الثاني فقد يصف المكان أو الصفة أو الشهرة أو طريقة الإنتاج.
والحقيقة أن المشكلة ليست في «اللومي الحساوي»؛ المشكلة في المعيار المزدوج.




