أقلام

رمضان على الأبواب .. و سماحة السيد علي ليس معنا 

جواد بوخضر

بمصابٍ جللٍ ما زالت آثاره تعصف بالقلوب، فقدنا عزيزنا الغالي سماحة آية الله السيد علي، نجل المقدس السيد ناصر السلمان. فقدٌ لا يُقاس بسنوات العمر، بل بعمق الأثر، و بامتداد الحضور في الأرواح قبل المجالس. و بهذا المصاب نعزي صاحب العصر و الزمان، و مراجعنا العظام، و العلماء الأعلام، و أساتذة و طلاب الحوزات العلمية، و جميع أفراد أسرة سادة السلمان، و كافة المؤمنين، بفقيدٍ لم يكن فردًا عابرًا، بل مدرسةً ممتدةً في العلم و العمل.

لقد وفاه الأجل المحتوم بعد معاناة كانت تشتد أحيانًا و تخف أحيانًا أخرى. و كانوا أهله و نحن المقربين منه، نعايش تلك اللحظات بالدعاء له بالشفاء، نرجو أن يمد الله في عمره المبارك، و أن يبقيه ذخراً لأبنائه و محبيه. غير أن خبر رحيله جاء في ساعةٍ متأخرة من الليل كالصاعقة، فأجهشنا بالبكاء طويلًا، حزنًا على من كان أعز علينا من أنفسنا.

و مع عِظم المصاب، فقد هوّن علينا شيئًا منه يقينُنا باستعداده الطويل للقاء ربه؛ إذ أفنى عمره المبارك في طاعته، و في النصح لعامة المؤمنين، وبذل الغالي والنفيس في خدمتهم و خدمة أهل العلم، و نشر تعاليم أجداده صلوات الله عليهم، سواء عبر التدريس أو الإرشاد الفردي و الجماعي.

 

 لقد وفد سماحته على ربٍ رحيمٍ كريم، نقله من دنيا فانية إلى عيشة راضية في جنة عالية، مع أجداده محمد المصطفى، و علي المرتضى، وفاطمة الزهراء، و أبنائهم الأئمة النجباء، جزاء ما قدّمه لنفسه من أعمالٍ تستحق ذلك النعيم.

أما نحن، فحزننا عليه سرمد، و ليلنا عليه مسهّد. و لا نُلام إن بكينا حزنًا عليه؛ فإن رسول الله صلى الله عليه و آله لما توفي ابنه إبراهيم قال: «العين تدمع و القلب يحزن و لا نقول إلا ما يرضي الرب، و إنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». و نحن نقولها بقلوبٍ دامعة: إنا على فراقك يا سيدنا لمحزونون.

لقد عاصرته ما يزيد على خمسين سنة، كنت معه بقلبـي وقالبي و جميع مشاعري، فما رأيت منه إلا العالم العادل في معاملته، الحسن في صفاته، المفعم بإيمانه الصادق الذي لا تأخذه في الله لومة لائم. كان سيد العطاء، و حكيم العلماء، و أبا الأيتام، و معين الضعفاء و الفقراء. و يحق لي أن أقول كما قال الإمام الحسين عليه السلام عند مصرع علي الأكبر: على الدنيا بعدك العفاء… فأقولها بحرقة الفقد: على الدنيا بعدك العفا يا سيدنا.

واليوم، وقد أقبل شهر رمضان، يحلّ علينا لأول مرة بعد عقودٍ طويلة من الزمن و أنا أستقبله من دون وجهك يا سماحة السيد. كم من رمضانٍ عشنا ظلاله بقربك، نستضيء بكلماتك، و نأنس بدعائك، و نزداد قربًا إلى الله بهديك. أما هذا العام، فيأتي بطعمٍ مختلف، تختلط فيه بركة الشهر بحرقة الغياب، و يغدو الدعاء فيه مشوبًا بالحنين.

نسأل الله العلي القدير أن يحفظ و يؤيد أبناءه الكرام، خير خلفٍ لخير سلف، و في مقدمتهم سماحة العلامة السيد هاشم، و سماحة العلامة السيد عبد الهادي، و أن يربط على قلوبهم وقلوبنا وقلوب جميع محبي فقيدنا الغالي بالصبر و حسن العزاء وعظيم الأجر.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى