
دلال الطريفي : الأحساء
فنّ المكرمية، أو كما يُعرف بـ“فن العقدة”، يعود إلى القرن الثالث عشر؛ حيث كان النوخذة والصيادون يصنعون به شباك صيد السمك والروبيان.
ومع انتقال الحرفة إلى بلاد الغرب، ابتُكرت منها تقنيات وعُقد يدوية متعددة، بينما اقتصر حضورها في دول الخليج طويلًا على شباك الصيد فقط.
اليوم، تستعيد المكرمية وهجها باعتبارها فنًّا جماليًّا وإنسانيًّا، وتقدّم ضيفتنا الحرفية وضحى أخضر تجربة ملهمة تُحيل الخيط إلى لغة، والعقدة إلى مساحة شفاء وتأمل.
• من هي ضحى أخضر؟ وكيف بدأتِ علاقتكِ بفن المكرمية؟
في عام 2015 سافرتُ إلى كندا لتعلّم اللغة الإنجليزية، وسكنت مع عائلات متعددة (كندية وصينية ومكسيكية وباكستانية).
أكثر ما شدّني كان عائلة مكسيكية تمتهن المكرمية؛ الأم والأب والجد والجدة وحتى الأحفاد يعملون بالحرفة نفسها. كنت أستيقظ فأرى بكرات الحبال، وأعود من المعهد لأجدها تحوّلت إلى أرجوحة أو ستارة أو وسائد مبهرة، هنا قررت أن أتعلّم المكرمية على أيديهم.
• كونكِ خريجة علاقات عامة وإعلام، وتخصص تسويق ومبيعات، ما الذي جذبكِ إلى عالم الأشغال اليدوية؟
دراستي في العلاقات العامة والإعلام ساعدتني على الانتشار وبناء الصورة المهنية، أما اختصاص التسويق والمبيعات – وأنا خريجة حديثة فيه – فهو أداة مهمة لتسويق أعمالي وتسريع وصولها للجمهور. المكرمية جمعت بين الشغف والاحتراف.
• متى شعرتِ أن المكرمية ليست مجرد حرفة بل مساحة راحة وتأمل؟
في عام 2020، خلال جائحة كورونا، فقدنا التواصل وأشياء كثيرة… وفقدتُ والدي – رحمه الله – بين يدي.
لذلك خضت مرحلة نفسية صعبة جدًا.
انشغالي بالعقد والعمل اليدوي ساعداني على استعادة التوازن؛ حين ينشغل العقل والوقت بالإبداع، يخفّ ثقل الألم.
• ما الشعور الذي نشأ لديكِ مع أول قطعة صنعتِها؟
لم تتوافر لديّ الأدوات، فاستبدلتُ غصن الشجرة بعود القرفة، والخيوط بخيوط الخيش.
كانت خشنة ومؤلمة، تدخل شظاياها في اليد، ولكني أنجزتها. نشرتها في “ستوري”، وبفضل الله بيعت بسعر مضاعف خلال فترة وجيزة، وكان شعورًا بالإنجاز والامتنان.
• هل يمنحكِ التركيز في العقد هدوءًا داخليًا؟
قوة العقل تأتي من القرآن والقراءة والأعمال اليدوية.
التركيز في التفاصيل يمنح صفاءً ويقوّي الذاكرة على المدى البعيد.
العدّ الذهني “عقدة عقدة” دون اللجوء إلى آلة حاسبة يدرّب الذهن.
• لماذا يمنحنا العمل باليد طمأنينة في زمن السرعة؟
اعتاد معظمنا على قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، بينما العمل اليدوي يعيدنا إلى الإحساس والإنجاز.
عندما تُمدح قطعة صنعتها بيدك، تشعر بسعادة مختلفة.
ومن يمتلك حرفة، يمتلك ملاذًا يقيه مطبات الحياة.
• هل تنصحين بتعلّم المكرمية لتنشيط الذهن؟
أنصح الجميع من عمر 5 سنوات فما فوق.
سواء العمل بالخوص أو الخيط القطني أو الخشب، فالحِرَف تحسّن المزاج وتقوّي الذاكرة وتمنح الانضباط.
• ما المهارات التي تطوّرها المكرمية؟
الصبر، الدقة، التركيز، الحساب الذهني، إدارة الوقت.
لكل عقدة “تكنيك” خاص، واتجاهات يمين ويسار، شدّ من أعلى أو أسفل.
• كيف تصبح الحِرَف وسيلة تواصل بين الأجيال؟
فن العقدة لغة بين الإنسان وذاته قبل أن يكون بينه وبين غيره.
درّبتُ أكثر من 600 شخص، بينهم ذوو همم (متلازمة داون والتوحد)، لاحظنا تحسنًا في الهدوء وتقاربًا بين الأم وطفلها.
• ما الرسالة التي تودين توجيهها لكل من يظن أن الحرف اليدوية مجرد هواية بسيطة؟
حتى من يملك وظيفة يحتاج لهواية يصنعها بيده.
وأؤمن بالمقولة الجميلة: “صنعة باليد أمان من الفقر”.
ختامًا، تتقدم صحيفة بشائر بالشكر الجزيل لضيفتنا وضحى أخضر على هذا الحوار الملهم، وتتمنى لها دوام التوفيق والنجاح، ومزيدًا من العطاء الذي ينسج الجمال في تفاصيل المجتمع.





