حين تنتصر الإرادة على المستحيل

عباس السالم
ما التغيير إلا سُنّة الكون، وطريق الاستمرارية والبقاء، بل هو أداة سحرية يتجدد بها هذا الكون ويتشكّل جماله.
فالمياه الراكدة تفسد، بينما المياه الجارية تنقى،
والنفس التي ترفض التغيير كمن يحاول أن يمسك الزمن بيديه.
والتغيير الناجح لا يأتي صدفة، وإنما هو قرار شجاع، وإيمان عميق بأن الغد يمكن أن يكون أجمل.
وقد لخّص القرآن الكريم فلسفة التغيير في آية خالدة، تصلح أن تكون دستورًا لكل من أراد النهوض بنفسه ومجتمعه:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فالتغيير يبدأ من الداخل.. من زاوية في القلب، ومن فكرة ترفض الاستسلام.
ولعلّي أتساءل: إذا كان التغيير ضرورة للحياة والاستمرار، فلماذا نخافه؟
إنما نخافه لأنه يخرجنا من منطقة الراحة الدافئة إلى المجهول البارد.
ولكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون أن البقاء في المكان نفسه قد يكون هو الخطر الحقيقي؛ فمن لا يتقدم، يتقادم.
وتقدّم لنا تجربة (نوكيا) مثالًا واضحًا على أن النجاح السابق لا يضمن البقاء.
… فقد كانت يومًا من أكبر الشركات المهيمنة على سوق الهواتف المحمولة، ولكنها لم تستطع مواكبة التحول الذي أحدثته الهواتف الذكية بالسرعة الكافية،
في الوقت الذي أعادت فيه شركات أخرى، وفي مقدمتها (آبل) صياغة قواعد المنافسة.
وهنا تتجلى إحدى أقسى سنن التغيير:
من لا يتغيّر، قد يُستبدل.
والتغيير ليس قفزة في الظلام، بل سُلّم له درجات:
الوعي: أن تعترف بأنك بحاجة إلى التغيير ..فالاعتراف بالمشكلة بداية الحل.
الرغبة الصادقة: شوق مشتعل إلى واقع أفضل، يدفعك إلى تجاوز ما اعتدت عليه.
القرار الحاسم: لا تقل: (سأحاول) بل قل: (سأفعل)
الاستمرارية: فالتغيير ليس يومًا عابرًا، بل مجاهدة مستمرة.
قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].
ما أجملها من بشارة! جاهد نفسك، وستُفتح أمامك سبل لم تكن تراها.
ولعلنا نعيد النظر في المقولة الشهيرة((اطرق الحديد وهو حامٍ))فالإرادة الحقيقية لا تنتظر دائمًا أن يكون الحديد حاميًا، بل تطرق حتى يسخن الحديد من كثرة الطرق.
فلا تنتظر واقعًا مناسبًا لتتغيّر..
غيّر نفسك حتى تصنع واقعًا يناسب ما تطمح إليه.



