بيوت عريقة و بيوت عنكبوت

أمير الصالح
مقدمة
مع انتشار حملة شهادات التعليم الأكاديمي، وسهولة حيازة منتجات التكنولوجيا، وتكاثر تطبيقات التأثير الاجتماعي، أصبحنا نتطلع، كما تتطلع كل الأمم، بأن تكثر وتتكثر إبداعات الأفراد داخل كل أسرة، ليخلقوا لهم ولبيوتهم رصيدًا اجتماعيًا وعلميًا مرموقًا. وبعد بذل الجهود الحثيثة والمتراكمة، يكبر ذلك الرصيد حتى يبلغ الذروة، ويتوج بأن تلك الأسرة وذاك البيت يُدرج ضمن البيوت العريقة، ويشار له/لهم بالبنان، ويُفتخر به/بهم نسبًا ومصاهرةً وصلةً. وفي ذات الوقت، كنا وكان الأوفياء الآخرون نخشى ويخشون أن تضمر إبداعات الأفراد، أو يسوء سلوك البعض، أو يتغول البعض في انحداره وإجرامه وسفاهته وفسقه وتلويثه للأخلاق العامة، فيتلاشى الرصيد الاجتماعي له ولأسرته رويدًا رويدًا، بسبب فجور سلوك أفراده، حتى يضمحل، فيصبح ذلك البيت محط سخط ونفور واشمئزاز.
الحوار
في الوقت الذي نفتخر فيه بتزايد عدد أهل النخوة والشهامة والعفة والأخلاق المحمودة والمبادرات الخلاقة والأعمال الخيرية الطيبة، يؤرق المجتمع عدد ليس بالقليل من الناس، لا سيما محدثي النعمة ومستهلكي التقنية الرقمية ومتفككي الأواصر الأسرية، ممن لا يفهمون طبيعة البيوت الأصيلة والعريقة وتاريخها وأدبياتها وأعرافها وتراتيبها وطبيعة وشائجها وقوة ترابط أفرادها. والكثير من أولئك السوس النخر لم يفقهوا شيئًا عن مكامن الوفاء والحب والولاء بين أفراد الأسرة العريقة والمجتمعات المتجذرة، ولم يعوا مفاهيم الإيثار وقوة التضحية وصون سمعة وشرف العائلة والمجتمع وتراثه الأخلاقي وأعرافه الإنسانية الراقية؛ ولذلك يتعامل الجهلاء والسفهاء مع أهل الشيم والهمم بأدبيات وقصص متدنية مختلقة، وفضول أجوف، وخيال أحمق، وأدبيات هزلية سوقية متدنية، بناءً على استنساخ لقطات تلفزيونية كوميدية هابطة، أو اجتزاء من موقف لحدث تم اختزاله ولم يتم إدراكه من السوقة، ظنًا بأن ذلك الموقف المجتزأ بداية قطيعة، أو شرارة تشرذم، أو مسودة إعلان انهيار لأسرة عريقة أو مجتمعات ضاربة الجذور.
الأسر العريقة والأصيلة والعفيفة والمحافظة تربى أفرادها على أدبيات وأعراف وسلوكيات عالية. وكان وما زال أفرادها يرضعون القيم ويتغذون من نور الإيمان، ويلتفون حول شعائر الولاء لبعضهم البعض، ويتعاملون ضمن أطر الأخلاق الحميدة والتواضع والاحترام وأمانة الكلمة وتحمل المسؤولية ورص الصفوف والتعاون على البر ونبذ الفسوق وعزل الابتذال. حتى أضحى كل موقف صعب وكل حدث مزلزل بمثابة محطة تجديد عهد بميثاق أخلاقي بين الأطراف جميعًا، ليكونوا أكثر وفاءً وصلابةً، وأجدى رشدًا وحكمةً، وأعمق التصاقًا ومعاضدةً.
لعل التصورات السخيفة التي تنبت في أذهان البعض من الكسالى والتنابلة وقليلي التربية من سفهاء المجتمع نحو بعض الأسر الناجحة والمجتمعات المتعففة والمثابرة والصانعة لمجدها، ليست سوى إسقاطات تربوية لتجارب فاشلة عاشها السفهاء وأولئك التنابلة في بيوت متفككة، فأضحوا يروّجون لكل إشاعات الانشقاق، ويفرحون بنشر قصص الرذيلة، ويعمقون الجراحات، ويرقصون على آلام المجتمع، ويجعلون من أهاليهم مادة للفكاهة والطنز، ولا يتمنون أن تنتشر قصص النجاح داخل المجتمع حقدًا وحسدًا وبغضًا منهم.
من الجيد أن يراجع أولئك المشتتون ذهنيًا والمحتقنون فكريًا والجافون عاطفيًا والمتمزقون أسريًا والفاشلون تربويًا والخاسرون أخلاقيًا أنفسهم، وألا يروّجوا أخبار الفساد أو يسوقوا له في صفوف الأسر المحافظة. فالتنابلة كانوا وما يزالون يعانون من جهل فادح، وتشرذم واضح، وتفتت صادح، وتمزق أسري يثير الشفقة، وسمعة هابطة، وتنبلة راسخة. البعض من الناس قد لا يفهم طبيعة الأسر المستورة والكادحة والمترابطة والمؤمنة والناجحة؛ لأن ثقافة ذلك البعض وخلفياتهم وبيئاتهم ومحيطهم وجلساءهم تنحصر ثقافتهم في التحريض والكيد لبعضهم ضد بعض، وحب قصص الفشل وكره النجاح وأهله. والتنابلة يتناحرون في أوقات سلمهم، فكيف بهم في ذروة خصوماتهم، حيث تبرز فنون فجورهم؟
أفراد العوائل الرصينة والمتماسكة والعريقة تشتد عزائم أفرادها بعد كل ابتلاء أو اختبار أو صدمات أو نوازل، ليكونوا في يومهم ذاك أقوى من أمسهم. ولا يلجأ أي منهم إلى التشهير أو التنابز بالألقاب أو الشتائم أو النشر عبر صفحات السوشيال ميديا أو التشمت أو الكيد أو الخداع.
ختامًا
هناك حقيقة أساسية يجب فهمها والعمل على ترسيخها داخل البيوتات والأسر والمجتمعات المحافظة، وهي وجوب تحصين البيوت في أسرارها ومشاكلها واختلاف وجهات نظر أفرادها، والسعي لترسيخ الحوارات الهادفة وتفعيل الحلول البنّاءة وفك الاختناقات الطارئة لأي علاقات داخلية، والمبادرة في إصلاح ذات البين.
في زمن كثر فيه محبو النميمة والفضائح والمقارنات الحاقدة والافتراء ونشر الإشاعات عبر تطبيقات السوشيال ميديا، يجب ألا يهمل أحد توعية أفراد أسرته بأدب الكلام والاحترام واستخدام الأجهزة الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعية وحفظ اللسان وحفظ البصر وحفظ السمع وحفظ الإيمان بالله.
فإن أرباب أسر وأشخاصًا وصلوا ذروة المكاسب المالية وتقاعدوا وهم في أوج المكاسب، إلا أنهم التحقوا بشلل سفيهة، فأهملوا بيوتهم في لحظات، فأضحت بيوتهم كبيوت العنكبوت، بعد أن كانت مصنفة ببيوت عز.



