الصيدلي عبد الله علي الحمود… حين يرحل الإنسان وتبقى سيرته العطرة

د. حجي الزويد
هناك أشخاص يمرّون في حياتنا مروراً عابراً، فلا تلبث الأيام أن تطوي ذكراهم، وهناك أشخاص يتركون في القلوب بصمات لا تمحوها السنون، وتبقى وجوههم حاضرة في الذاكرة، مهما طالت المسافات أو اشتدّ الغياب.
ومن هؤلاء الذين يرحلون بأجسادهم، وتظل أرواحهم الجميلة حاضرة بين محبيهم، الفقيد العزيز الصيدلي عبد الله علي الحمود، أبو محمد، الذي ترك رحيله حزناً في النفوس، وفراغاً لا تملؤه الكلمات، وذكريات تفيض بالمودة والوفاء.
ليس من السهل أن نكتب عن إنسان رحل عن دنيانا، خصوصاً حين يكون الحديث عن شخصية ارتبط حضورها بالبشاشة، وحسن المعاملة، وطيب الأثر.
فالكلمات مهما بلغت من البلاغة، تظل عاجزة عن تصوير مشاعر الفقد، وعن التعبير عما يختلج في صدور المحبين من حزن وحنين.
وحين نتأمل صورة الفقيد الصيدلي عبد الله علي الحمود، ونرى تلك الابتسامة الهادئة التي تعلو محياه، ندرك أن بعض الوجوه تحمل في ملامحها رسالة إنسانية صامتة، وأن الابتسامة الصادقة قد تكون أبلغ من كثير من الكلمات.
لقد اختصر محبوه جانباً من مشاعرهم تجاهه بعبارة مؤثرة:
«سلامٌ على وجهٍ ما عرفناه إلا مبتسماً».
وما أجمل أن تكون الابتسامة عنواناً يتذكر به الناس إنساناً بعد رحيله!
وما أعظم أن يترك المرء وراءه ذكراً حسناً، ومحبة صادقة، ودعوات تنبع من قلوب عرفته وأحبته!
إن الإنسان لا يُقاس بما جمع من مال، ولا بما نال من مناصب، ولا بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما زرعه من خير، وما تركه من أثر، وما استطاع أن يضيفه إلى حياة الآخرين من طمأنينة وسعادة.
وقد يكون أجمل ما يتركه الإنسان بعد رحيله تلك الشهادة العفوية التي تصدر من أفواه الناس، حين يستذكرون خلقه الحسن، وابتسامته المألوفة، وكلماته الطيبة، ومواقفه الإنسانية.
والصيدلي، بحكم طبيعة مهنته، يقف في موقع إنساني بالغ الأهمية، فهو لا يتعامل مع الأدوية وحدها، وإنما يتعامل مع الإنسان في لحظات ضعفه وقلقه وألمه.
يدخل إليه المريض باحثاً عن دواء يخفف وجعه، وقد يحمل في قلبه خوفاً من المرض، أو قلقاً على طفل، أو حزناً على عزيز، أو تعباً أثقلته ظروف الحياة.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للصيدلي الذي يدرك أن مهنته ليست مجرد صرف وصفة طبية، وإنما رسالة تقوم على العلم والأمانة والرحمة وحسن التعامل.
فقد تكون الكلمة الطيبة التي يسمعها المريض عند شباك الصيدلية سبباً في تهدئة مخاوفه، وقد تمنحه الابتسامة الصادقة شعوراً بالأمان، وتعيد إليه شيئاً من الأمل.
ولهذا فإن الصيدلي الناجح لا يترك أثره في سجلات العمل وحدها، وإنما يتركه في نفوس الناس الذين تعامل معهم، وفي الذكريات التي يحملونها عنه.
إن التامل في حياة الفقيد عبد الله الحمود، يبرز صورة إنسان ارتبط في ذاكرة محبيه بالابتسامة وحسن المعاملة، حتى غدت تلك الابتسامة جزءاً من الحديث عن غيابه.
لقد جاء في رثائه أن من عرفوه كانوا يقصدون شباك الصيدلية طلباً للدواء، فتسبقهم ابتسامته، ويعودون بشيء من عافية الجسد وطمأنينة الروح.
وهذه صورة إنسانية جميلة، تحمل معاني عميقة تتجاوز حدود المهنة، لتلامس جوهر العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان.
فما أحوج مجتمعاتنا إلى أصحاب الوجوه البشوشة، والقلوب الرحيمة، والنفوس التي تعرف كيف تخفف عن الآخرين أعباء الحياة!
وما أحوج مؤسساتنا الصحية إلى ترسيخ هذه القيم الإنسانية التي تجعل المريض يشعر بأنه أمام إنسان يفهم معاناته، لا أمام موظف يؤدي واجباً وظيفياً مجرداً!
إن الرحمة في المهن الصحية ليست أمراً إضافياً أو ترفاً أخلاقياً، بل هي جزء أصيل من جودة الرعاية، وركيزة مهمة في بناء الثقة بين المريض ومقدم الخدمة الصحية.
وإذا كان العلم يمنح الإنسان القدرة على تقديم العلاج الصحيح، فإن الأخلاق تمنحه القدرة على تقديم هذا العلاج بروح إنسانية كريمة.
ولعل من أصدق صور الوفاء للراحلين أن نتوقف عند المعاني الجميلة التي ارتبطت بذكراهم، وأن نجعلها حافزاً لمراجعة علاقتنا بالناس، وطريقة تعاملنا معهم.
فالابتسامة التي لا تكلف صاحبها شيئاً قد تبقى في ذاكرة الآخرين سنوات طويلة.
والكلمة الطيبة التي نقولها دون أن نلقي لها بالاً قد تصبح ذكرى ثمينة في قلب إنسان يمر بظروف صعبة.
والموقف الإنساني البسيط الذي نراه عادياً قد يكون عند غيرنا موقفاً لا يُنسى.
إن رحيل عبد الله الحمود يذكّرنا بحقيقة نعرفها جميعاً، ولكننا كثيراً ما ننشغل عنها بزحام الحياة، وهي أن وجود الإنسان في هذه الدنيا مؤقت، وأن الأيام مهما امتدت لا بد أن تنتهي.
قال الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفسٍ ذائِقَةُ المَوتِ وَإِنَّما تُوَفَّونَ أُجورَكُم يَومَ القِيامَةِ فَمَن زُحزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدخِلَ الجَنَّةَ فَقَد فازَ وَمَا الحَياةُ الدُّنيا إِلّا مَتاعُ الغُرورِ﴾ [١]
والموت، وإن كان حقيقة لا يختلف عليها اثنان، فإنه يبقى حدثاً تهتز له القلوب، وتدمع له العيون، خصوصاً حين يأخذ من بيننا إنساناً عزيزاً.
فليس الحزن على الراحلين اعتراضاً على قضاء الله، وإنما هو تعبير عن المحبة التي سكنت القلوب، وعن الروابط الإنسانية التي جمعتنا بهم.
وقد بكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال:
«إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا».[٢]
وهكذا يجتمع في قلب المؤمن الحزن والرضا، والدمعة والصبر، والشوق إلى الراحل والتسليم لحكمة الله تعالى.
إن الفقد لا يعني مجرد غياب شخص اعتدنا رؤيته، بل يعني غياب تفاصيل صغيرة كانت تمنح الحياة شيئاً من جمالها.
قد نفتقد وجهاً ألفناه، أو صوتاً اعتدنا سماعه، أو تحية كانت تستقبلنا، أو ابتسامة كنا نراها كلما التقينا صاحبها.
وهذه التفاصيل البسيطة هي التي تجعل للغياب ثقله، وللذكريات حضورها المؤثر.
وحين يرحل الإنسان، تبدأ الأشياء التي كنا نراها عادية في اكتساب معانٍ جديدة، فنكتشف أن بعض اللحظات العابرة كانت في حقيقتها من أجمل ما عشناه.
ولذلك فإن الوفاء للراحل لا يكون بالحزن وحده، وإنما بالدعاء له، وذكر محاسنه، وصيانة ذكراه من النسيان، والاقتداء بما عرفناه عنه من خصال جميلة.
ومن أسمى صور الوفاء أن نواصل نشر القيم التي أحببناها فيمن رحلوا.
فإذا تذكرنا إنساناً بابتسامته، فلنحرص على أن نبتسم في وجوه الآخرين.
وإذا تذكرناه بكلمته الطيبة، فلنجعل الكلمة الطيبة جزءاً من سلوكنا اليومي.
وإذا بقي في ذاكرتنا بحسن معاملته، فلنجعل حسن المعاملة إرثاً إنسانياً نساهم في نشره بين الناس.
وهكذا تتحول الذكرى من مجرد حنين إلى الماضي إلى طاقة أخلاقية تدفعنا نحو الخير.
وإن من المعاني التي تستحق التأمل في رحيل الصيدلي عبد الله الحمود أن الإنسان يستطيع أن يصنع لنفسه مكانة في قلوب الآخرين دون ضجيج أو تكلف.
فليس ضرورياً أن يكون الإنسان مشهوراً حتى يكون مؤثراً، ولا أن يتصدر المجالس حتى يكون محبوباً.
قد يكون صاحب أثر عظيم وهو يؤدي عمله اليومي بهدوء، ويستقبل الناس بوجه طلق، ويعاملهم باحترام، ويؤدي الأمانة التي تحملها بإخلاص.
وهذه العظمة الهادئة هي من أجمل صور النجاح الإنساني.
فالنجاح الحقيقي لا يقتصر على الإنجازات المهنية والمادية، وإنما يمتد إلى نوعية العلاقات التي نبنيها، والثقة التي نزرعها، والمشاعر الطيبة التي نتركها في نفوس من نلتقي بهم.
ولعل أكثر ما يحتاج إليه الإنسان في رحلة حياته أن يدرك أن كل لقاء مع الآخرين فرصة لزرع أثر جميل.
فقد يكون اللقاء الأخير دون أن نعلم، وقد تصبح الكلمة التي نقولها اليوم آخر ما يتذكره أحدهم عنا غداً.
ومن هنا تأتي أهمية أن نعيش بقلوب أكثر رحمة، وألسنة أكثر لطفاً، ونفوس أكثر تسامحاً.
إننا حين نودع عزيزاً، لا نفقد وجوده المادي فحسب، بل نتلقى درساً بليغاً في قيمة الوقت، وأهمية العلاقات الإنسانية، وضرورة المبادرة إلى الخير قبل فوات الأوان.
فكم من كلمة محبة أجلنا قولها، وكم من زيارة أرجأناها، وكم من اعتذار تأخرنا في تقديمه، حتى جاء الغياب ليذكرنا بأن الحياة أقصر مما نظن!
إن الموت يضع أمامنا مرآة صادقة، نرى فيها حقيقة أولوياتنا، وندرك أن كثيراً مما نختلف عليه لا يستحق أن نخسر بسببه المودة.
وأن أجمل ما يمكن أن يحمله الإنسان معه إلى آخرته، بعد رحمة الله وفضله، هو عمل صالح، وخلق حسن، ودعاء صادق من قلب محب.
وفي رحيل عبد الله الحمود، تتجدد هذه المعاني، وتصبح الكلمات التي كتبها محبوه عنه شهادة على قيمة الذكر الطيب، وعلى قدرة الإنسان على البقاء في وجدان الآخرين رغم غيابه.
وما أبلغ العبارة التي وردت في رثائه:
«رحلت شاباً، وفي قلب من عرفك متسع لمحبتك، وفي الذاكرة مواقف تشهد لك بطيب السيرة ونقاء السريرة».
إنها كلمات تختصر كثيراً من مشاعر الفقد، وتكشف عن المكانة التي يمكن أن يحتلها الإنسان في قلوب من عرفوه.
فالعمر مهما طال يبقى محدوداً، ولكن الأثر الطيب قد يمتد بعد صاحبه، وتتناقله الذاكرة من مجلس إلى آخر، ومن قلب إلى قلب.
وما أجمل أن تكون سيرة الإنسان بعد وفاته سبباً في الدعاء له، وفي تذكر فضائله، وفي استحضار المعاني النبيلة التي جسدها في حياته.
إن المجتمع الذي يقدر أصحاب الأخلاق الحسنة، ويحتفي بذكراهم، إنما يؤكد أن القيمة الإنسانية لا تُختزل في المظاهر والمكاسب، بل تتجسد في الرحمة والأمانة والصدق والتواضع.
ومن المهم أن تصل هذه الرسالة إلى أبنائنا وبناتنا، وإلى الأجيال الجديدة من العاملين في المهن الصحية، حتى يدركوا أن التفوق العلمي والمهني يبلغ أجمل صوره حين يقترن بالتواضع والرحمة.
فالعلم يرفع كفاءة الإنسان، ولكن الخلق الحسن يرفع مكانته في القلوب.
والمهنة تمنح صاحبها موقعاً لخدمة المجتمع، ولكن إنسانيته هي التي تمنح هذا الموقع معناه الأعمق.
وليس أجمل من أن يرحل المرء عن الدنيا، فيتذكره الناس بدعوة صادقة، أو موقف كريم، أو وجه بشوش.
وفي لحظات الوداع، تتراجع أمامنا كثير من التفاصيل، ويبقى السؤال الأهم: ماذا تركنا في قلوب الناس؟
هل كنا سبباً في إسعاد أحدهم؟
هل خففنا عن إنسان ألماً؟
هل واسينا حزيناً، أو أعنّا محتاجاً، أو أعدنا الأمل إلى قلب أنهكه التعب؟
هذه الأسئلة ليست موجهة إلى الراحلين، بل إلينا نحن الذين ما زلنا نملك فرصة العمل والعطاء.
ولعل أجمل تكريم لذكرى الفقيد عبد الله الحمود أن تكون سيرته مناسبة للتأمل في هذه المعاني، وتجديد العهد مع أنفسنا بأن نكون أكثر لطفاً ورحمة وإنسانية.
أما أسرته الكريمة وأحبته وأصدقاؤه وزملاؤه، فإن الكلمات مهما كثرت لا تستطيع أن تزيل ألم الفراق، ولكن عزاءهم في رحمة الله الواسعة، وفي الدعوات التي ترفعها القلوب المحبة، وفي الذكريات الجميلة التي تبقى حاضرة رغم مرور الأيام.
نسأل الله تعالى أن يربط على قلوبهم، وأن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يعوضهم عن مصابهم خيراً.
وأن يجعل ما يذكره الناس من محاسن الفقيد شاهداً له بالخير، وأن يتجاوز عن سيئاته، ويرفع درجته في عليين.
رحم الله الصيدلي عبد الله علي الحمود، أبا محمد، رحمة واسعة.
وختاماً، تبقى بعض الوجوه عصية على النسيان، لأنها لم تكن مجرد ملامح نراها، بل كانت مشاعر طيبة نلمسها، وطمأنينة نجدها، وابتسامات تمنح أيامنا شيئاً من الضوء.
سلام على عبد الله الحمود في ذاكرة من أحبوه.
وسلام على ابتسامة بقيت حاضرة رغم الغياب.
وسلام على كل إنسان عاش بين الناس طيب الأثر، ورحل تاركاً خلفه دعوات صادقة ومحبة لا تنطفئ.
رحمك الله يا أبا محمد، وأسكنك فسيح جناته، وأبدلك داراً خيراً من دارك، وأهلاً خيراً من أهلك، وجعل ذكرك الطيب باقياً في قلوب محبيك.
فالأجساد تغيب، والأعمار تنتهي، ولكن الذكر الجميل يظل حياً في وجدان الناس، وتبقى المحبة الصادقة من أجمل ما يخلّفه الإنسان وراءه.
و إنا لله وإنا إليه راجعون.
هوامش:
[١] [آل عمران: ١٨٥]
[٢] الطبقات الكبرى، ج 1، ابن سعد، ص 139، تنزيه الأنبياء ( ع )، الشريف المرتضى، ص 70





