أقلام

صراع الورثة … إذا اختلّ الميزان فسد البنيان

حسين الحاجي

بعد رحيل الأب ، تتحول بعض البيوت من سكونٍ حزين إلى اختبارٍ حقيقي لما سيأتي ، هنا لا يُقاس الإرث بما تُرك من حجم المال ، بل بما تُرك خلفه من تنظيمٍ يقطع الطريق على الاجتهاد ، بين بيتٍ أُغلقت منافذ اللبس فيه ، وآخر تُركت أموره للظنون ، لتبدأ الحكاية .

أب أدرك أن إهمال الأمور بلا ترتيب يفتح أبواب الخلاف بعد مغادرته ، فـفصّل وحدّد ، ولم يترك مجالاً للأهواء ، فجاء يوم التوزيع هادئاً ، كأنه امتداد لعدله وهو حي ، استمرت الأنشطة ، وتحركت الأموال بثقة ، وعلى أقل تقدير بقيت محفوظة من الهدر والضياع ، وظلت العائلة متماسكة ، كأن الرابط بينها أقوى من كل اختبار .

وفي صورةٍ أخرى ، رحيل مفاجئ ، وملفات معلّقة أو غير مكتملة ، تُترك العائلة في مهب الريح ، فتدب الخلافات منذ اللحظة الأولى ، ويتصدر الشقاق والانقسام المشهد ، ويطول أمد ذلك ، تتشعب القراءة ، وتختلف النوايا ، تبدأ الأسئلة ، وتتسع الإجابات ، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى نقاط اشتعال ، إخوة كانوا يجتمعون ويضحكون بلا حساب ، صاروا يحسبون كل كلمة ، ومجلس كان عامراً أصبح ثقيلاً ، وأيام كانت تمر بخفة، صارت تُقاس بما فيها من توتر .

تتعثر المصالح وتتعطل الأعمال ، لا لأن المال قليل ، بل لأن النفوس امتلأت ، تخسر التجارة ، لا لأن الفرص اختفت ، بل لأن الثقة تراجعت ، والقرار لم يعد موحداً ، وقد يبلغ الأمر إلى ما هو أبعد ، خسائر متراكمة ، وربما إفلاس يطرق الباب رغم بقاء المال ، لكن النزاع استنزف كل شيء ، ثم تأتي الضربة القاصمة ، ويزداد الحال قسوة حين يتوارث الأبناء الأحقاد والضغائن ، فيمتد الشرخ جيلاً بعد جيل .

المشهد يتكرر حولنا ببساطةٍ مؤلمة ، فعلى سبيل المثال ، إخوة اختلفوا على عقار، فبقي سنوات بلا بيع ولا استثمار حتى فقد قيمته ، وآخرون عرف كل واحدٍ حقه ، فباعوا واتفقوا وربحوا معاً ، الفرق لم يكن في الثروة ، بل في البيان .

نؤكد مرة أخرى : المشكلة لا يصنعها المال ، بل الغموض هو الذي يفعل ، فإذا حضر الوضوح هدأت النفوس، وإذا غاب حضر التأويل ، ومعه تبدأ العداوة .

لذلك، فإن أعقل ما يفعله الإنسان أن يحسم أمره وهو حي ، يُبيّن ويُوضح لسد أبواب الخصومة قبل أن تُفتح ، ولئلا تنحدر إلى فجورها ، وتتسع حتى تُقوض ما بينها ، وأن يجعل لماله وجهاً آخراً يخصه شخصياً وهو على قيد الحياة : عملاً يراه بعينه ، وخيراً يمتد كصدقةٍ جاريةٍ تدر له الأجر والثواب في الدنيا قبل الآخرة .

والخلاصة : إذا استقام الميزان ، استقام معه كل شيء ، وإذا اختل ، لم يفسد المال وحده ، بل تفسد القلوب ، ويتصدع البنيان ، ويصبح ما كان سبب رزق ، سبب فرقة لا تنتهي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى