
رباب حسين النمر : الأحساء
“شكل انتقال الأدباء السعوديين من الريف والقرى إلى المدن (مثل الرياض، جدة، الطائف) تحولًا نوعيًّا في الأدب السعودي، حيث نقل الأدباء معهم ذاكرة المكان الأول ليصهروا “أصالة الريف” في “حداثة المدينة”، موثقين التحولات الاجتماعية والبيئية عبر نصوص روائية وشعرية رصدت قسوة التمدن وحنين الأماكن البكر” بهذه المقدمة انطلقت ندوة بعنوان (أدباء الأحساء خارجها) بمقهى قوزدا في الهفوف مساء أمس، ضمن فعاليات جمعية سفراء الأدب المهنية، التي تقاسمها القاص هاني الحجي وضيفه حسن الشيخ، حيث استعرض الحجي في المقدمة أبرز الأدباء السعوديين وتجربتهم بين الريف والمدينة، فقال:
” يعد عبد العزيز مشري من رواد كتابة القرية السعودية- وتحديدًا القرية الجنوبية- حيث رصد في رواياته التحولات المجتمعية والبيئية موحدًا بين الإنسان والبيئة المكانية.
وجسد عبدالله بن إدريس في شعره ونثره رحلة الانتقال من محبرة الريف إلى بنية الوعي الثقافي في المدينة، رابطًا بين الأصالة والتجريب.
واستحوذ أحمد أبو دهمان في روايته “الحزام”، على اهتمام النقاد بتصويره لبيئة القرية الجنوبية.
كما ساهم أحمد الدويحي في توثيق وتجسيد تحولات القرية الجنوبية.” ثم تطرق الحجي لملامح الكتابة عن المدينة والريف ملخصًا إياها في التنوع البيئي، وثنائية المكان، وسيرة المكان وشرح ذلك بقوله:
(لم يقتصر الأدب على الصحراء، بل برزت نصوص تحتفي بالبحر، أو الجبل، أو الريف، مما أثرى التنوع الثقافي.
وقد عكس الأدب صراعًا أو تفاعلًا بين بساطة القرية وتعقيدات المدينة، حيث أصبحت المدينة مكانًا للتحولات الإنسانية والخلاقة. ووثق الأدباء، خاصة في الطائف وغيرها، ذاكرة المدن وحكاياتها عبر الأجيال.
ويعد هذا الانتقال الأدبي جسرًا ثقافيًّا حافظ على الهوية السعودية مع الانفتاح على التحولات العصرية”
وأضاف:
” تناول الأدباء الانتقال من الريف إلى المدينة كتحول اجتماعي ونفسي عميق، مصورين إياه كصراع بين أصالة القرية وزيف المدينة، أو كرحلة طموح واغتراب. وركزت الأعمال الأدبية على فقدان الهوية، وصدمة التمدن، والحنين للماضي، ممثلة في “صورة الفلاح” الذي يتوه في أزقة المدينة، باحثًا عن مكان وسط صخبها، ومواجهًا لتقلبات القيم والتقاليد.
وفيما يلي تفصيل لكيفية تناول هذا الانتقال:
اغتراب الفرد وضياع الهوية: صور الأدباء المهاجر بكونه يحمل براءة الريف ليضيع في “ليل المدينة”. فقد تحولت القروية في كثير من الأعمال إلى ذكرى، بينما فرضت المدينة تقاليدها الجديدة.
الصراع بين القيم والزيف: تناولت الروايات المدينة باعتبارها مركزًا للفرص (عمل، أجور) ولكنها في الوقت نفسه مكان للمادية الزائفة، مما أوجد “الفلاح المهاجر” كمرآة للتغيير.
الحنين إلى الريف (الريف الفردوس): كثرت القصائد والأعمال التي تتغنى بالقرية “الآخذة بالأفول”، واصفة إياها بملاذ من زيف المدينة.
أنموذج “الريف إلى المدينة”: وصف الأدباء هذا الانتقال كعملية انقطاع نفسي وثقافي قبل أن يكون اقتصاديًّا.
التأثيرات الاجتماعية: أبرزت الكتابات الآثار المترتبة على الهجرة، مثل الازدحام والتلوث والاختناق البشري في المدن.
وقد برزت أعمال لنجيب محفوظ وغيره ممن جسدوا هذا التحول الاجتماعي الهائل الذي طرأ على الحياة الريفية”
ثم ذكر الحجي أبرز الروايات السعودية التي تناولت موضوع الانتقال من الريف إلى المدينة: ” تدور رواية “من الريف للمدينة” لأدهم محمد حول صراع كريم الداخلي بين هويته الريفية ورغبته في النجاح والاندماج في الحياة الحضرية. وقدمت رواية (بنات الرياض) لرجاء الصانع صورة للمدينة السعودية من خلال حياة فتيات في الرياض، أنا رواية “مدن الملح”* لعبد الرحمن منيف فقد صورت التحول الجذري الذي أحدثه اكتشاف النفط على الأرواح في الخليج.
لقد عكست هذه الروايات تجارب مختلفة للانتقال من الريف إلى المدينة، وطرحت أسئلة حول الهوية والانتماء والتحول الاجتماعي.”
ثم تطرق الحجي للدكتور الروائي حسن الشيخ الذي تناول الأحساء في رواياته بكل تفاصيلها وتراثها، فقال: ” ركز الشيخ على الإنسان الأحسائي بكل همومه وأحزانه وطموحه. في روايته “الفوارس”، فرسم العلاقات الاجتماعية التي سادت في الأحساء في منتصف القرن الماضي، وغاص في أعماق النفوس البشرية بشكل متميز. وتناول الشيخ أيضًا موضوعات مثل الحنين إلى الوطن والتضحية في سبيله، والبحث عن الحرية من الاستعمار، والغربة والهجرة، والهوية. كما أبرز الزخم الحضاري في الأحساء من خلال تفاصيل دقيقة عن أحيائها القديمة وعاداتها وتقاليدها.”
وأضاف:
“يبدو أن حسن الشيخ يمتلك حبًا كبيرًا للأحساء، حيث يقول إن الرواية الوطنية هي حكاية يمكن أن تتضمن أحداثًا وهمية أو حقيقية تحمل هدفًا أو مصلحة معينة. ويرى أن الرواية الوطنية هي رسم صورة للوطن وتسجيل لما يحدث في فترة معينة من الفترات، لإعادة صياغة أحداثًا وطنية لم تكتب روائيًّا.
رواية “الكوت” للروائي السعودي حسن الشيخ هي إعادة كتابة للتاريخ الشفاهي لأشهر أحياء الهفوف، الكوت، الذي كان مركز مدينة الهفوف وعاصمتها الإدارية. تتناول الرواية حكاية الناس البسطاء الذين عاشوا في منطقة الأحساء شرق المملكة العربية السعودية، وتداخل فيها الخيال والواقع والأسطورة. تعد الرواية من الأعمال الجادة التي حاولت الاستفادة من الموروث الثقافي والاجتماعي لبيئة الأحساء الغنية برموزها وفكرها”.
ثم تحدث الدكتور حسن الشيخ عن تجربته الكتابية حول الأحساء وهو في موقع خارجها، معنونًا حديثه بعنوان(حكايتنا مع الأحساء): فقال في مقدمته:
“سأتحدث لكم في هذه الليلة باختصار عن الحنين والشوق للمكان، وعن حضور الأحساء في تجربتي الخاصة في مجال السرد.
الوطن هو المكان، والقرية أو الحي أو حتى الشارع الذي عاش فيه الانسان في طفولته والذي أحبه، فهو المكان الذي قد تغادره الاقدام لكن القلوب تظل متعلقة به.
الاعمال الإبداعية التي في هذا الجانب من قصص وروايات تناولت مواضيعا تتعلّق بالمكان والهوية، وكذلك تناولت الحنين إلى الوطن والتضحية في سبيله، البحث عن الحرية. كما ركزت على مرارة الغربة والهجرة، وتشكيل الهوية من جديد.
وفي الادب العربي والعالمي عشرات الشواهد من الشعر والرواية بهذا المفهوم.
الكتاب تحديدا كتبوا الروايات والقصص من خلال إعادة قراءة المكان، وإعمال خيالهم الروائي في الأحداث والأمكنة بدافع من الحب والشوق للمكان.
وبهذا المعنى. فالحنين للمكان هو فن أدبي عالمي، قديم جدًّا، وقد وُجد عند معظم الشعوب والأمم.
القاسم المشترك لهذه الأعمال هو الحب والشوق والحنين للمكان. الأحداث أحداث أحسائية بامتياز، وقد تكون هذه الأحداث واقعةً خلال فترة طويلة وقديمة. فيكتب الروائي أحداثًا حدثت بالفعل فتشكل ما يسمى بالرواية المكانية.
وقد يكتب الروائي عن حي من أحياء وطنه أو قريته، أو حتى عن شارع. وفي فترة زمنية عايشها بالفعل، وتجد في عمله شوقًا وحنينًا وانتصارًا لهذا الوطن.
وأنا حملتُ الأحساء في حقائبي إلى كل مكان بعيد سافرتُ إليه”
ثم انتقل الدكتور الشيخ للحديث حول تجربته الخاصة في هذا الصدد، فقال:
“هنا محاولة ذاتية لتلمس البعد الأحسائي ان صح التعبير في روايتين كتبتهما:
رواية الفوارس عام 2003م، ورواية الكوت الكوت 2013 م وفي بعض الاعمال القصصية الأخرى مثل مجموعة (حافلة الاحساء) و(محطة الهفوف) وبهما عدة قصص قصيرة مليئة بالحب والشوق والحنين لهذه الأرض.
في رواية *الفوارس* هناك شيئ من مفاهيم الحنين للمكان. لأنها تناولت أماكن متعددة وأرخت لتاريخ الأحساء منذ منتصف القرن الماضي حتى الآن.
كتبتُ (الفوارس) بضمير المتكلم. ولذلك تجد تدفقا عاطفيًّا، التصاقا أكثر بالمكان والزمان الأحسائي القديم.
وفي رواية (الفوارس) هناك تضمينات لهذا الشوق المتعاظم. شوق الإنسان البعيد عن الأرض والقريب روحيًّا منها أيضا. فيها حياة الأحسائيين البسطاء، وتاريخ الأجداد، وعاداتهم وتقاليدهم. واعتمدتُ على الذاكرة الشفاهية للمجتمع الأحسائي في تلك الفترة.
في (الفوارس) تجد الولع بالمكان وتجد الأحسائيين وحياتهم ومعيشتهم. صراع الطبقات والعوائل، الجوع والفقر، والحياة التي تشكلت في تلك الفترة.
الأحساء حاضرة في معظم ما كتبت، وسيطرت على روايتي (الفوارس والكوت).
إذن في الفوارس سياحة روحية وتدفق زمني واتساع مكاني من أحياء الأحساء وقراها إلى العجير والرياض والعديد من أحياء الدمام القديمة أيضًا.
بل وانتقلت (الفوارس) بالقارئ الى لندن وشوارعها وميادينها. عندما سافر عماد العامري الى هناك للعمل. ولكن الحنين للمكان – الأحساء – بقي حاضرًا في الغربة
إذن فأعمالي السردية، أعمال فنية تتّخذ من المكان والتاريخ مادة للسرد، ولكن دون النقل الحرفيّ له؛ ولكنها تتخّذ من التاريخ ذريعة وشكلاً مغايراً للحكي.
أعمالي تحمل تصوّر الكاتب عن الحب للمكان وتوظيفه لهذا التصوّر.
وكما أشرتُ قبل قليل إن هذا النوع من الحنين هو فرع من فروع الأدب. أو بما يسمى أدب المهجر ولكن تعريف هذا الأدب بين النقاد له مفاهيم متعددة.
أدب المهجر، شعر وحكايات. والحكاية، يمكن أن تحتوي على أحداث وهمية، أو حقيقية تحمل هدفاً، أو مصلحة معينة، وقد تكون غايتها الترفيه عن القارئ. الا ان الأصل هي حكاية تكتب تاريخ الحنين والشوق للمكان.
في رواية (الكوت) هناك اتساع زمني ولها اتساع مكاني أيضًا. رواية (الكوت) مركزها حي الكوت وقرى الأحساء.
لهذا فإن بعدها العاطفي أطول وأكثر اتساعًا من البعد المكاني.
وفي رواية (الكوت) يسيطر المكان أيضًا. البطل هو المكان والأبطال هم مجموعة كبيرة من الشخوص الأحسائيين.
أبطال رواية (الكوت) هم شخوص متعِبة. صعب السيطرة عليها، لأنهم بالعشرات. شخوص تنامت، تطورت، من مجانين، إلى مصلحين وعظماء وأبطال. الشخصيات المحورية ثلاثة: سالم المصروع، وجميل أبو رمش، وجمعة الوطيرش.
ورواية (الكوت) تحكي حكاية الزمن الجميل لحي الكوت، ولكن كما أنا رأيته وتخيلته. تخيلت شخصية صالح بن شنطوب بن الياهو اليهودي. وابنه دواد وابنته مسعودة.
هذه الشخصية تحديدًا والتي تبدو من شخصيات رواية (الكوت) الثانوية تعمدتُ أن أسلط الأضواء عليها في الرواية.
ولأن الشخصية اليهودية موجودة في التراث الشعبي الأحسائي، وفي ذاكرتي الطفولية. ولهذا أعدتها من جديد روائيًّا.
وفي قصة (حافلة الأحساء) عالجت الحنين وتلمست الشوق للمكان فنيًّا عبر الموت الجماعي لراكبي الحافلة. مكان (الحافلة) أبعد قليلًا من حي (الفوارس) ولكنه في إطار الانشداد للمكان.
هناك صراع بين الموت والحياة. وفي القصة صراع اجتماعي وفكري بامتياز ولكنه صراع الناس البسطاء، حكايات من يتجاهلهم التاريخ.
ولكن تجد سيطرة المكان على الجو القصصي، كما هو حال الأعمال الأخرى.
وفي (حافلة الأحساء) تتجلى حكايات الأحسائيين وحنينهم وهم محاصرين وسط الرمال. في وسط (الدهناء) يعانون من الخوف والضجر والعطش والبعد عن الأهل.
الأحداث والأفعال التي تدور حولها قصة (حافلة الأحساء)، تتكون من مجموعة من الوقائع الجزئية المنتظمة والمترابطة. هنا أفعال وأحداث أجيال بأكملها.
في الحكي الروائي والقصصي، هناك محاولات لتفعيل الأحداث، لكسر رتابة المألوف، واليومي، خلق أحداثًا متتالية حتى ولو كانت بسيطة.
وأظن أن قصة (محطة الهفوف) من أجود القصص القصيرة حبكة. وهي تحكي قصة الفتى الأحسائي الذي ترك الأحساء إلى مدينة (الدمام) بكل تناقضاته.
تركزت حبكة (محطة الهفوف) على تصادم الأهواء والمشاعر، والرغبات، كما حاولت القصة ليس الاتكاء على تتالي الأحداث زمانيًّا ومكانيا فقط لأنها من القصص القصيرة. بل تكثيف المشاعر. وترسيخ النزوع للمكان. تنامي الشوق والحنين في صدر الشاب الذي ظل يحلم دائما بالرجوع الى وطنه.
وفي قصة (رائحة المجلس) هناك سرد للأحداث المترابطة بوجود علاقة سبيبة بين الشخوص والأمكنة، والرابط لكل الأحداث هو بطل القصة (الحاج محمود) وحكاية مجلسه في حي الفوارس القديم.
وفي هذه القصة نجد زمن حي الفوارس والحارات الأحسائية الأخرى بوضوح. زمن الآباء والأجداد ومعاناة تلك الأزمان، ومقاومة الجوع والفقر.
قبل الختام
أحبُ أن أشير إلى إن الشخصيات، من أهم مكونات العمل الروائي والقصصي، كما تعلمون.
وشخصيات مثل عماد العامري في (الفوارس) والحاج محمود في (رائحة المجلس) هي نماذج لشخيصات الأحسائيين المثقفين المهمومين بمجتمعاتهم وأوطانهم. شخصيات الأجداد والآباء التي نعتز بها. وأنا كل هذا الجمع من الشخصيات المتنافرة.
أما موضوع هذه الروايات والقصص فهو الإنسان الأحسائي بكل همومه وأحزانه وطموحه. الانسان بزمانه التاريخي الممتد منذ القدم. وبمكانه الأقدم. وأنا المكان والمسرح لكل هذه الأحداث”. وداخل بعض الحضور بمداخلات قيمة، مثل القاص حسين العلي والروائي حسين الأمير، والشاعر علي النحوي، والقاص عصام البقشي. وفي نهاية الندوة قدمت جمعية سفراء الأدب المهنية شهادة شكر وتقدير للدكتور حسن الشيخ، كما قدم الشيخ بعض كتبه هدايا تذكارية للحضور.





