أقلام

أدب الرحلة والإستثمار الأدبي والمعرفي

وفاء بو خمسين

في أمسية أدبية رائقة من ليالي شهر ذي الحجة الأغر؛ ووسط مجموعة من الصديقات المثقفات وفي مكان هو مركز لانطلاق الحرف والكلمة( مركز أقرأ الحروف بالهفوف)، كانت منسقة الأمسية هي الكاتبة والشاعرة رباب النمر، حيث وجهت إليّ دعوة لإقامة أمسية بعنوان أدب الرحلة ودوره في الاستثمار الأدبي والمعرفي. كتاب “بين واحتين” أنموذجًا. حيث تطرقت في قراءتي إلى ثلاث محاور عن أدب الرحلة، وربطتها بكتابي “بين واحتين” وهو كتاب تكلمت فيه عن مدينة نجران خلال عملي فيها معلمة، فقد جاء تعيني فيها سنة ١٤١٨هـ وأمضيت سنوات طويلة، إلى أن تم نقلي إلى مدينتي الأحساء. المحور الأول: بدأت الحديث فيه عن المكان وأثره على الكاتب،

فالمكان له دور مهم في إبراز شخصية الكاتب من خلال تجاربه وتفاعله مع جماليات الأمكنة المتنوعة ومن ثم يقدمها للقارئ بصورة فنية مختلفة، فيها الكثير من اهتمامته وخلفيته الثقافية ونظرته للأمور، وهذا كله جاء في كتابي “بين واحتين” حيث أفردت بابًا كاملًا سلطت فيه الضوء على مسقط رأسي ومنشأ الطفولة والصبا، مدينة الأحساء بنخيلها الوارفة الظلال وعيونها العذبة الرقراقة. ثم ربطت بينها وبين واحة نجران ذات النسمات العليلة ومزارع النخيل والحمضيات وأمطارها وسيولها الجارية، إذ هما واحتان عريقتان ذاتا حضارة ضاربة في التاريخ، واحدة في أقصى شرق المملكة والأخرى في أقصى جنوب غربها، يربطهما شريان ماء يجري في أخاديد تحت رمال صحراء الجزيرة الخالدة. ومن هنا جاء العنوان: ” بين واحتين “.

المحور الثاني:

تغيير المكان له أكبر الأثر على النفسية والحياة غير الشعورية، وأدب الرحلة يتجاوز الإمتاع والمؤانسة إلى ما هو أعمق بحيث يغذي ثقافة الرحالة واهتماماته؛ ومن خلال عملي في نجران سنوات طويله فقد تحولت إلى رحلة اغتراب وكانت هي الملهمة لظهور هذا الكتاب، ففراق الأبناء والأحبة والأهل، كلها خلقت مشاعر سلبية وألم ومعاناة، لم تَخُفْ وتخبو إلا بعد أن عدت إلى مدينتي ومن ثم بزغت هذه الوريقات إلى النور واصبحت شيئًا ملموسًا وايجابيًّا.

المحور الثالث: الأبعاد التربوية وتنمية القيم الأخلاقية.

للرحلة والسفر عامة والانتقال إلى أماكن جديدة فوائد كثيرة لا تعد ولا تحصى، منها كسر الملل والرتابة والتأمل في خلق الله والسياحة في الأرض، وفهم النفس البشرية؛ فعندما تقوم برحلة إلى مكان مختلف فأنت كذلك تقوم برحلة إلى مجتمعات بشرية ذات ثقافة أخرى، وقد تطرقت إلى ذلك خلال الحياة اليومية سواءً كان في السكن؛ حيث معنا معلمات من الهفوف والمبرز وقرى الأحساء المختلفة ومن الدمام، وكل له لهجته وعادته وتقاليده ومزاجه الخاص. أما ما يخص المدرسة فقد كانت هناك خمس معلمات من الأحساء واثنتان من القطيف، ومعلمة واحدة من كل من مكه وجدة وسكاكا والقريات، إضافة إلى المعلمات المحليات، وكذلك كل له عادته وتقاليده المختلفه عن الآخرين. ولقد تعرفنا على الكثير من المعلمات في الاستراحه والانتظار في المطار والحجوزات. وكذلك تواصلنا مع المجتمع المحلي في نجران حيث الزيارت المتبادلة سواءً كان في الأعراس أو السكن الجديد أو ولادة مولود، فلقد تعرفنا على الكثير من عاداتهم وتفاصيل الحياة اليومية. والكثير الكثير من القصص والحكاياتةخلال إقامتي سنوات عدة في نجران. ومرت عليّ حوادث وقصص وحكايات سطرتها كلها في الكتاب، إنها سنوات طويله مليئة بالتغيرات لنا نحن المعلمات وكذلك المجتمع، فهي علاقة تأثير وتأثر. كل ذلك وسّعَ الأفق ونمّى أخلاق جليلة منها التعارف والصبر والتعاون. وأخيرًا قمت بقراءة مقاطع من خواطر كتبت خلال تلك الفتره.

اخترت منها قطعة عن الأخدود ذاك المكان الشاهد على عظمة الحدث قبل البعثة النبوية الشريفة، حيث ذُكِرَت قصة أصحاب الأخدود في القرآن الكريم ” الأخدود

هناك خلف الأسلاك الشائكة، مدينة كاملة من السكون والموت. هناك حضارة تحت التراب اندثرت لم يبقى منها إلا القليل، أنا سوف آخذ حفنة من هذا التراب، تراب الأخدود لأن في ذراته قلب الأم المؤمنة، سوف أخذها معي عندما أعود لمدينتي وأشم رائحتها وأطلب من ربي بحق هذه القلوب المؤمنة أن تفرج عني وتردني إلى أحبابي وترابي الذي نشأت عليه، فأنا لا أريد أن أموت هنا وبعض أجزائي هناك “. وبعد انتهاء القراءة بدأت المداخلات والأسئلة عن كل ما يتعلق بالمعيشة والمواقف التي مرت عليّ خلال الإقامة في نجران.

بعدها وقعت نسخ من الكتاب ووزعته على الحاضرات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى