أقلام

الصوت الذي بقي (6) حين انفتح باب العلم

أحمد الطويل

تنويه:

هذه هي المقالة السادسة من سلسلة “الصوت الذي بقي”، وتتناول بداية النهضة العلمية في عهد الإمام محمد الباقر عليه السلام، بوصفها أولى ثمار المشروع الذي أسسه الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام بعد كربلاء.

مقدمة:

ليست كل الثورات تُقاس بما تُحدثه في يومها، بل بما تتركه من أثرٍ يمتد عبر الأجيال.

ولهذا لم تكن كربلاء حادثةً انتهت بانتهاء يوم عاشوراء، كما لم تكن رسالة الإمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام مجرد معالجةٍ لآثار تلك الفاجعة. لقد كان الإمام السجاد عليه السلام يبني بصمت، ويغرس في النفوس ما سيؤتي ثماره في الزمن الذي يأذن الله له أن يظهر.

فالمشروعات الإلهية لا تعرف العجلة، ولا تخضع لمقاييس الناس في استعجال النتائج، وإنما تنمو كما تنمو الشجرة؛ تبدأ ببذرة لا يلتفت إليها أحد، ثم تمتد جذورها في الأعماق، حتى يأتي اليوم الذي تظهر فيه أغصانها وثمرها للعيان.

وهكذا كانت المرحلة التي بدأت مع الإمام محمد الباقر عليه السلام.

فبعد سنواتٍ طويلة من التربية، وحفظ الرسالة، وإعداد الرجال، بدأت الظروف تتهيأ لمرحلة جديدة، لم يكن عنوانها المواجهة بالسيف، ولا الاقتصار على ترميم النفوس، بل إعادة بناء العقل الإسلامي، ليعود الناس إلى الإسلام كما نزل على رسول الله صلى الله عليه وآله، لا كما رسمته السياسة أو شوّهته الأهواء.

ولذلك لم تكن النهضة العلمية التي قادها الإمام الباقر عليه السلام حدثًا منفصلًا عن كربلاء، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لها، وإحدى أعظم الثمار التي أثمرتها المدرسة التي حفظها الإمام زين العابدين عليه السلام بالصبر، والتربية، والدعاء.

حين أذن الله للعلم أن يخرج إلى الأمة

لم تكن النهضة العلمية التي شهدها عصر الإمام محمد الباقر عليه السلام وليدة ظرفٍ سياسي عابر، ولا نتيجة تبدّلٍ مفاجئ في أحوال الدولة، وإنما كانت مرحلةً أعدّ الله لها أسبابها عبر سنوات طويلة.

فالرسالات الإلهية لا تنتقل من مرحلة إلى أخرى اعتباطًا، وإنما وفق سننٍ ربانية دقيقة، يؤدي فيها كل إمام الدور الذي تقتضيه الحكمة الإلهية.

فالإمام الحسين عليه السلام حفظ الدين بالتضحية، والإمام زين العابدين عليه السلام حفظ الإنسان بالتربية، ثم جاء الإمام محمد الباقر عليه السلام ليبدأ مرحلة حفظ الدين بالعلم، وإعادة بناء الوعي الإسلامي على أسس القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله.

ولما بدأت الدولة الأموية تنشغل بصراعاتها الداخلية، وجد الإمام فسحةً لم تكن متاحةً لمن سبقه، فاستثمرها لا في طلب سلطان، ولا في منافسة سياسية، وإنما في أداء الوظيفة التي اقتضتها تلك المرحلة؛ وهي نشر العلم، وإحياء المرجعية العلمية لأهل البيت عليهم السلام.

ومن هنا بدأت صفحة جديدة في تاريخ الإسلام، صفحة لم تُكتب بالسيوف، وإنما بالأقلام، ولم تُفتح بالفتوح العسكرية، وإنما بفتح العقول على معارف الوحي.

المدينة حين استعادت رسالتها

لم يكن اختيار الإمام محمد الباقر عليه السلام للمدينة المنورة مركزًا لحركته العلمية أمرًا عارضًا، ولا مجرد بقاءٍ في موطن آبائه وأجداده، بل كان اختيارًا يحمل دلالةً عميقة تتصل بجوهر الرسالة نفسها.

فالمدينة ليست مدينةً كبقية المدن؛ إنها الأرض التي احتضنت رسول الله صلى الله عليه وآله، ومنها انطلقت الدعوة الإسلامية إلى العالم، وفيها نزل الوحي، وتشكل الجيل الأول الذي حمل رسالة السماء إلى الناس. ولهذا بقيت المدينة، رغم ما مرّ بها من تحولات، تحتفظ بخصوصيتها الروحية والعلمية، وإن حاولت الظروف السياسية أن تُبعد الأمة عن منبعها الأصيل.

ومن هنا لم يكن الإمام الباقر عليه السلام بحاجة إلى إنشاء مركزٍ جديد للعلم، بل إلى إعادة الحياة إلى المركز الذي خرجت منه الرسالة أول مرة.

وقد شاءت الحكمة الإلهية أن تتزامن إمامته مع مرحلة بدأت فيها الدولة الأموية تنشغل بأزماتها الداخلية وصراعاتها السياسية، فخفّ شيء من التضييق الذي كان مفروضًا على أهل البيت عليهم السلام. ولم ينظر الإمام إلى ذلك بوصفه فرصةً لتحقيق مكسبٍ سياسي، وإنما بوصفه فسحةً لنشر العلم، وإحياء ما اندرس من معارف الإسلام.

لقد أدرك الإمام أن الأمة، بعد عقودٍ من الفتن والاضطرابات، أصبحت أحوج ما تكون إلى من يعيدها إلى القرآن الكريم، وإلى السنة الصحيحة التي حفظها أهل البيت عليهم السلام جيلاً بعد جيل.

وهكذا بدأت المدينة تستعيد رسالتها الأولى.

فلم تعد حلقات الإمام الباقر عليه السلام مجالس لبيان الأحكام الشرعية فحسب، بل أصبحت مدرسةً تُربّي العقل، وتفتح أبواب التدبر، وتربط بين ظاهر النص وروحه، وبين المعرفة والعمل، حتى يخرج الطالب وهو يحمل فهمًا للإسلام، لا مجرد معلومات عنه.

ومن هنا أخذ طلاب العلم يتوافدون إلى مجلس الإمام من مختلف الأقاليم، لا لأنهم يبحثون عن كثرة الروايات، بل لأنهم وجدوا عنده العلم الذي بقي متصلًا برسول الله صلى الله عليه وآله، بعيدًا عن تأثير السياسة وتقلبات الأهواء.

لقد كانت المدينة تستعيد مكانتها، ولكن هذه المرة لا بوصفها عاصمةً للحكم، وإنما بوصفها عاصمةً للعلم، ومنارةً للهداية، ومهوى أفئدة الباحثين عن الحقيقة.

ولعل أعظم ما امتازت به هذه المرحلة أن الإمام لم يكن يقدّم العلم باعتباره وسيلةً للتفاخر أو الجدل، وإنما باعتباره طريقًا لإصلاح الإنسان وبناء الأمة؛ لأن الرسالة التي حفظها الإمام الحسين عليه السلام بدمه، وصانها الإمام زين العابدين عليه السلام بصبره وتربيته، لا يمكن أن تستمر إلا بعلمٍ يعيد للأمة وعيها، ويصلها من جديد بمنبع الإسلام الأصيل.

حين عاد العلم إلى منبعه

لم يكن الإمام محمد الباقر عليه السلام يسعى إلى إنشاء مدرسةٍ تنافس المدارس القائمة، ولا إلى تكثير الآراء والاجتهادات، وإنما كان يعمل على إعادة الأمة إلى المنبع الذي خرجت منه الرسالة أول مرة.

فالمشكلة التي واجهها المسلمون لم تكن نقصًا في الرغبة في التديّن، بقدر ما كانت اضطرابًا في فهم الدين نفسه. فقد امتزجت تعاليم الوحي بما أفرزته الصراعات السياسية، وتداخلت السنة الصحيحة مع كثيرٍ من الروايات والاجتهادات التي فرضتها ظروف المرحلة، حتى أصبح الناس بحاجة إلى مرجعٍ يعيد إليهم الإسلام كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله، لا كما صاغته الأحداث.

ومن هنا بدأ الإمام الباقر عليه السلام مشروعه من الأصل؛ فلم يجعل غايته الانتصار لرأيٍ على رأي، ولا الدخول في جدالاتٍ تزيد الأمة تفرقًا، بل أعاد الأنظار إلى القرآن الكريم، وإلى السنة التي حفظها أهل البيت عليهم السلام، بوصفهم الامتداد الطبيعي لرسالة النبي صلى الله عليه وآله.

وقد أشار القرآن الكريم إلى أهمية هذا البيان الإلهي بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: 19). فإذا كان الله سبحانه قد تكفّل بحفظ كتابه، فقد تكفّل أيضًا بحفظ بيانه الصحيح، ليبقى الوحي حاضرًا في ألفاظه ومعانيه معًا، بعيدًا عن التحريف وسوء الفهم.

ومن هذا المنطلق، لم يكن الإمام الباقر عليه السلام يقدّم فهمًا جديدًا للإسلام، بل كان يكشف عن وجهه الأصيل الذي بقي محفوظًا في بيت النبوة، ولذلك كان يؤكد أن المرجعية الحقيقية للدين لا تنفصل عن أهل البيت عليهم السلام، لأنهم ورثة علم رسول الله صلى الله عليه وآله، وأمناء رسالته.

ولهذا لم تقتصر دروسه على بيان الأحكام الشرعية، بل شملت تفسير القرآن، والعقيدة، والأخلاق، والسيرة، حتى أعاد بناء العقل المسلم بناءً متوازنًا، يجمع بين النص والعقل، وبين المعرفة والعمل، وبين الفقه وروحه، فلا يتحول الدين إلى معلوماتٍ تُحفظ، بل إلى وعيٍ يُغيّر الإنسان ويهديه إلى سواء السبيل.

ولعل أعظم ما يميز هذه المرحلة أن الإمام الباقر عليه السلام لم يكن يعلّم الناس كيف يحفظون النصوص فحسب، بل كيف يفهمونها، وكيف يربطون بين مقاصدها وواقعهم، لأن الأمة لا تنهض بكثرة ما تحفظ، وإنما بصحة ما تفهم، وصدق ما تعمل.

وهكذا عاد الإسلام، على يديه، إلى منبعه الصافي، واستعادت الأمة ثقتها بأن في بيت النبوة علمًا لم تنقطع جذوره، وأن الرسالة التي حاولت السياسة أن تعزلها عن الناس، بقيت محفوظةً بعناية الله، تنتظر اللحظة التي تُفتح فيها أبوابها لطالبي الحقيقة.

وبذلك لم يكن الإمام محمد الباقر عليه السلام مجرد عالمٍ يدرّس العلوم، بل كان مجدّدًا أعاد للأمة بوصلتها العلمية، ووضع الأساس الذي ستقوم عليه أعظم نهضة معرفية في تاريخ مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

ويبقى السؤال

لقد بدأ الإمام محمد الباقر عليه السلام مرحلةً جديدة في تاريخ الرسالة؛ مرحلةً لم يكن عنوانها السيف، وإنما العلم، ولم يكن ميدانها ساحات القتال، وإنما العقول والقلوب.

فأعاد للأمة صلتها بالقرآن الكريم، وأحيا المرجعية العلمية لأهل البيت عليهم السلام، وأثبت أن حفظ الدين لا يكون بالتضحية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى علمٍ يكشف الحقيقة، ويصحح المفاهيم، ويعيد الناس إلى الإسلام كما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله.

غير أن النهضة العلمية لا تُقاس ببداياتها فحسب، بل بما تتركه من أثر، وما تصنعه من رجال، وما تؤسسه من مدارس تمتد آثارها عبر الأجيال.

فكيف استطاع الإمام محمد الباقر عليه السلام أن يحوّل هذه البداية المباركة إلى مدرسةٍ علميةٍ راسخة؟ وكيف ربّى تلك الكوكبة من العلماء الذين حملوا علوم أهل البيت عليهم السلام إلى مختلف الأمصار؟ وما الذي جعل مدرسته تتحول إلى الأساس الذي قامت عليه أعظم نهضةٍ علمية في تاريخ مدرسة أهل البيت عليهم السلام؟

ذلك ما نتأمله في المقالة القادمة، بإذن الله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

This will close in 0 seconds