
يوسف الحسن
حينما يقرأ أحدنا كتابًا لكاتب لم ينشره قبل موته لسبب ما فإنه قد يشعر كأنه رسالة من العالم الآخر، خاصة حينما تكون للقارئ علاقة طويلة بالكاتب عبر كتب أخرى قرأها له.
وتتعدد أسباب عدم نشر كتابٍ ما بالنسبة لكاتبه؛ فقد يكون أجّله لأسباب فنية تتعلق بعدم رضاه عن مستواه الأدبي، أو قد يكون بسبب خوفه من عدم إجازته رسميًّا، أو لعدم توافقه مع رجال الحكم في زمنه، أو بسبب رفضٍ اجتماعيٍّ توقَّعَه، أو انعكاس سلبي عليه في حال نشره في حياته فأوصى بنشره بعد وفاته، وربما كان سبب عدم النشر تكلفته المادية التي لم يكن يستطيع تحملها، أو رفض دور نشر لطباعته.
وهناك جدل حول حق الورثة أو الأصدقاء في طباعة الكتب بعد وفاة كاتبيها في حال لم يوصوا بذلك؛ حيث إن من حق القارئ أن يتساءل إن كانت هذه الأعمال تمثل حقًّا أفكار كاتبيها كما نشرت بعد وفاتهم؛ لكونها ربما لم تنل القسط الكافي من التدقيق والتمحيص من قبلهم، أو أنها كانت بحاجة إلى تعديل قبل النشر، بل ربما لم تكن تمثل بدقة آخر ما كانوا يتبنونه من أفكار.
ومن أمثلة الكتب التي نشرت بعد وفاة كاتبيها بعض كتب التراث العربي، التي منها على سبيل المثال بعض أجزاء كتاب الحيوان للجاحظ، التي قيل إنها جُمعت من مخطوطات متفرقة له أضيفت إلى الكتاب، وربما لم تتح للجاحظ فرصة تنقيحها أو التأكد من دقتها.
وكان العالم الأديب والقارئ الكبير الشيخ علي الطنطاوي يكتب بعضًا من مذكراته في بعض الدوريات، وبعد وفاته (1999م) جمعت هذه المقالات، مع مواد أخرى لم تنشر، في عدة أجزاء، لتشكل عملًا أدبيًّا رائعًا يعكس جوانب مهمة من حياة هذا العالم والأديب الذي كان منكبًّا على القراءة طوال حياته.
ومن أبرز الأمثلة على الكتب التي طبعت بعد وفاة كاتبها، مع عدم رغبته في ذلك، كتب الروائي الشهير فرانز كافكا، التي من أهمها: المسخ، والمحاكمة، والقلعة، وأمريكا (سميت كذلك المفقود)، وفي مستعمرة العقوبات، حيث لم يكن كافكا يرغب في نشرها بتاتًا، فأوصى صديقه المقرب ماكس برود بإتلافها، لكن برود خالف وصيته وطبعها، لتصبح أعماله من أهم أعمدة الأدب العالمي الحديث.
والمدهش أن كِتابًا يُعَدُّ من أهم كتب الفكر السياسي ككتاب الأمير للكاتب الإيطالي نيكولو ميكافيلي لم يطبع إلا بعد وفاة مؤلفه، حيث قيل إن ذلك بسبب الجرأة التي كان يتميز بها الكتاب والتي تحولت فيما بعد إلى فلسفة سياسية تسمى الميكافيلية؛ وهي استخدام الغش والخداع لتحقيق الأهداف السياسية، فيما يختصر بمقولة الغاية تبرر الوسيلة. فقد كتبه ميكافيلي في عام 1513م، ولم ينشر إلا في عام 1532م، أي بعد خمس سنوات من وفاته عام 1527م.
أما الشاعرة الأمريكية إميلي ديكنسون فقد اكتفت في حياتها بنشر عدد محدود جدًّا من قصائدها، ولذلك لم تُعرف كثيرًا آنذاك. وحينما توفيت نشرت أختها القصائد، التي بلغ عددها قرابة 1800 قصيدة، والتي دفعت ديكنسون إلى مراتب الصفوف الأولى للشعراء الأمريكان، لكن بعد وفاتها.
وهناك أيضًا رسائل الفنان الهولندي الشهير فنسنت فان كوخ إلى أخيه الأصغر ثيو الذي كان قريبًا منه وداعمًا ماليًّا له. وتميزت هذه الرسائل بجمالها وشهرتها في تاريخ الفن، وقد كتبها على مدى سنوات (1872-1890م)، وتضمنت وصفًا لبعض لوحاته وبعض مشاعره الداخلية، ما ساهم في كشف جوانب خفية من حياته، خاصة أنه كان فقيرًا ولم يتمكن من بيع لوحاته في حياته لأنه لم يجد من يقدرها، في حين أصبحت قيمتها عالية للغاية بعد وفاته.



